منذ صغره،إستفاق على شاهدا والديه وهما يتراقصان أمام عيّنيّة يعطيانه ألأوامر والنواهي والزواجر،أكثر الكلمات التي حفظها كانت ممنوع،”إصحك” ،” دشر”… فنمت معه الطاعة الكاملة…كان ذكيا،ذهب لرياض الاطفال،ومن بعدها للمدارس،فحطم أرقام التفوق الرتيب…كيف لا،وهو لا يعرف جداران حييه وحارته الا عندما يذهب ويعود من المدرسة؟؟ اللهو مع اقرانه مناسبه سنوية،والتنزّه مع اقرباءه عيد،والابتعاد عن ثوب أُمه كُفْر،شب وكبُر على ذلك،حتى أن الشمس كانت تسمع به ولا تراه،والغيّم والمطر يرسل له رزقه عبر وسيط،وحياة الصخب التي تسجل الاطفال في الحواري والحارات حذفته من دفتر يومياتها…
المهم أنه في الثانوية تفوق وأبدع،وفي الجامعة ذاع صيته ولَمَع،وفي الماجستير صاغ رسالته فأفحم وأقنع،وما تلاها من دكتوراه من الصفات الثلاث التي ذكرت جَمّع وواصل أبحاثه حتى وصل درجة “البرف “، من بعدها، فتح باب الحياة،فوجد نفسه على حافة الجهل الممزوج بالخوف من الخوض فيها…أراد الزواج،حاول الاختيار لكنه فشل،فإختارت له أُمه شريكة الحياة…
أراد بناء بيت العمر،فتاه،،فوجد أباه قد شرع بالامر بصمت خوفا من الحسد،زفت له عروسته،فحاول أن يقرأ فيها ما يناسب سجايا مكنونه،فلم يَفهم،أراد أن يجامل المهنئين له بالزفاف فتلعثم،كانت ضحكات ابناء العائلة وأصدقائها عصيّة على حل شيفرتها…إرتبك،ورسب في إمتحان المجاملة وفن التعامل…لكنه دخل في الحياة…
الزوجة التي إنبهرت بالرتبة العلمية،لم تكن تحتاجها كثيرا في كل حياتها،هناك أمور أخرى تتمناها في شريك العمر لم تجدها فيه…شيئا فشيئا وقفت أمام حقيقة شريك حياتها،صبرت،وصمدت،وكظمت الغيّظ،وراهنت على التغيير مع مرور الزمن…لكن غربته كبُرت،وغربتها اتسعت…ورغم مرور الوقت، جاء طفلهما الاول للحياة،إلا أن هذا الطفل الذي يتفترض ان يكون نعمة وزقا،كان أول شرارة الانفجار الاكبر مع زوجته على اسلوب تربيته،وتنشأته،حتى إستحالة الحياة بينهما،فكان سببا في الفراق والطلاق…هي تريد أن تخرجه ناجحا في الحياة والعلم،تريدة أن يخرج للشارع،يتفاعل مع أقرانه ورفاقه ليفهم بعضا من دروس الحياة…لكنه الذي لم يعش تلك المراحل،لا زالت عقدة الخوف منها تسكن نفسه …لقد عاش عقدة التناقض الاكبر وهو يعلم أن ما تفكر فيه زوجته هو الاصح والاسلم، لكنه يخشى أهله، ويخشى من خلالهم اشياء كثيرة…فعاد إلى والديّه يحمل حقيبته المحشوة بكلِّ شيء إلا كلَّ شيء…
قالت له أمه :- أين حفيدي؟؟
قال : أعطيته لأمه،لا أريد أن يتربى بمثل ما تربيّت… نعم نجحتُ في العلم…لكني خسرت ت الحياة.





