كثيرة هي العوامل التي تُكَوِّن الشخصية،سواء كانت في الخصال الفطرية،أو التنشيئيّة،أو ألبيئية،أو ألثقافية،كل هذه الامور مجتمعة،وغيّرها تُعطي جِبِلْةَ النفس لوناً ومذاقا وتكويناً،ومن ثمَّ مسلكاً وتعاملات،تشق فيها النفس الانسانية طريقها في الحياة،فتُصّبِغَ عليها مع مرور الزمن خصال وصفات تكون هويتها السلوكية بين البشر،هذا بشكل عام،ولكن لو أخذنا تجربة واحدة،وخضنا في حيثيات وتفاصيل تصرفها أمام إحدى معضلات التعامل والعمل،بحيث فرض عليها العمل،والتصرف صراعا داخليا بين غريزة حماية النفس،والخوف من العقاب والعتاب،وبين قيّم الواجب والصدق والتصرف الصائب الصحيح،والاعتراف بالخطأ،والاستعداد لتحمل النتائج بكل شجاعة واقدام،لكان لدينا حكاية من حكايات انتصار القيَّم الحميدة،على الصفات الذميمة،ونجاح وسموْ خصال الانسانية على ميُول ورغبات شيطانية،أو على الاقل رغبات غير حميدة،وهذه القصة التي سنوردها هي بصمة من بصمات السمُوْ والشجاعة وتغليب قيَّم الروح الرفيعة على نقائضها…
شابةٌ في مقتبل العمر،أبرز ما في هويتها المعنوية والمسلكية،هي الارادة والتصميم،وقهر الظروف والانتصار عليها،لذلك كانت مجتهدة في دراستها الابتدائية والثانوية والجامعية،التي إختارت فيها دراسة التمريض،تلك المهنة الاكثر انسانية وعطاء،حتى أن العقل البشري ذهب الى تسمية من يذهب لتلك المهنة بـملائكة الرحمة،هذه الشابة الطموحة،وذات الارادة القوية،تخرَّجت من جامعتها بإمتياز وتفوُّق،اسوة بصديقاتها وزميلاتها الاربعة في التخصص،فأحد أسباب تفوقها هو مماشاتها للمتفوقات من زميلاتها،ولكون هذا التخصص سريع التوظيف بسبب الحاجة الماسة اليه،فقد وجدت لنفسها وظيفة في أحد المشافي المرموقة فور تخرُّجها،ومن ثم انتقلت لمشفى آخر أكثر تطورا قبل أن يستقر بها الامر للتوظيف في دائرة الصحة الرسمية في المدينة،لتوكل اليها مهمة تطيعم الاطفال بالطعومات النمطيّة المعتادة والمستحدثة،فهذه غرفتها في مديرية الصحة تزدحم دائما وعلى مدار أيام الدوام بالأمهات حديثات السن في الغالب،اللواتي يأتين بشكل روتينيّ ودوريّ لاجراء الفحوص والقياسات والأوزان،وتلقي المطعومات الضرورية لأطفالهن…
طبعا كل موظف جديد غالبا ما يكون تحت الاختبار والمراقبة العملية والمتابعة لأكثر من سبب،منها أن خبرته حديثة،وتجربته غضة،ويحتاج للاستماع للتوجيهات من مرؤسيه في ألعمل،وتطبيقها حتى يكسب ثقتهم من جانب،وحتى يغني تجربته أكثر،فالموظف الجديد أكثر التزاما في التعلميات بحذافيرها،هكذا كان ديدن تلك الممرضة الجديدة،لكن مهما كانت دقة التزاماتك وحرصك على التقيد بالمعلومات والتوجيهات، فلكونك إنسان وبشر،هامش الخطأ موجود دائما،أحيانا وغالبا ما يكون الخطأ أو السهو عن التقيد بحرفية التعليمات قادم من ضغط العمل،هذا ما حصل مع تلك الممرضة،ففي يوم من ذات الأيام،حضرت كعادتها للعمل بنشاط وعلى الميعاد بالضبط،وعندما دخلت الدائرة،علمت أن إحدى زميلتها في العمل والمهنة حصلت على إجازة طارئة،وأن هذا الفراغ الذي ستسببه تلك الاجازة يعني مضاعفة العمل على الممرضة الملتزمة،فطلبت منها رئيسة قسم الاشراف أن تحمل عملها وعمل زميلتها،فما كان من تلك الممرضة الا أن وافقت،وشرعت سريعا في العمل من تطعيم وقياس وميزان وتسجيل وغيره،في نشاط وهمة عالية لتستطيع التغلب على الازدحام من قبل أمهات الاطفال المراجعات في صالة دائرة الصحة،وفي خضم تلك الزحمة والعمل الضاغط الثقيل،دخلت الى تلك الممرضة أم صغيرة في السن تحمل على يديها طفلا لم يكتمل عمره العام بعد،فانتبهت هذه الام لحال الممرضة المنهكمة في العمل،فقررت أن تخالف ما جاءت من أجله،فوضعت طفلها أمام الممرضة،وطلبت حصوله على مطعوم الكزاز والحصبة مع أن موعد ذلك الطعم يحتاج لثلاث اسابيع اخرى لاستحقاقه،الممرضة لم تلتفت للتاريخ المعيّن لتنفيذ اعطاء اللقاح،قامت باتخاذ الاجراءات اللازمة،وأعطت الطفل اللُّقاح،وغادرت الام بطفلها عائدة الى بيتها مسرعة بعدما أيقنت ان الممرضة لم تلتفت لهذه الخديعة التي فعلتها بقصد إستغلال وجودها اليوم،وعدم رغبتها في ان تأتي بعد أسابيع…
إنتهى ذلك اليوم الشاق،فعادت الممرضة الى بيتها متعبة،وشرعت في تلبية حاجات البيت من طعام وأطفال وتلبية الواجبات الاجتماعية،والاطمئنان على الاهل…
بعد يومين من الحادثة،وأثناء وجودها على رأس عملها،دون ضغط وزحمة عمل،عادت تلك الام لاجراء فحوصات لنفس الطفل الذي تلقى الطعم المبسق أول من أمس،فانتبهت تلك الممرضة لتلك الام،فدققت أكثر في ملف طفلها وتواريخ مراجعاتها ومواعيد تلقى الطعوم،فاكتشفت أنها اخطات في إعطاء طُعْمْ لطفها قبل آوانه بثلاثة اسابيع،فسألتها :-
طفلك لم يبلغ السنة…لماذا طلبت تطيعيمة قبل الاوان ؟؟
ردت الام بنوع من الجهل وعدم المسؤولية :- لا فرق ايام وأسابيع …
الممرضة :- من قال لك ذلك؟؟ المطاعيم محددة طبيا،وأي تأخير أو تقديم مضر وقد يكون له نتائج سلبية
صمتت الام،وصمتت الممرضة…أخذت الام حاجة طفلها وإنصرفت،لكن الممرضة بقيت حتى نهاية الدوام قلقة مرتبكة،تفكر بعمق بالمسؤولية التي قد تقع عليها من التعجيل في تطيعم الطفل دون الالتفات لتاريخ التطعيم المفترض،نظرا لضغط العمل والجهد المبذول…
فتسألت في نفسها :- ترى هل أقوم بتزوير التاريخ قبل رفع الملفات ليتطابق مع تاريخه المفروض حتى أنجو من المسؤولية خاصة أنني موظفة جديدة أحتاج لاثبات ذاتي في العمل؟؟ وأن الخطأ هنا كان استغلالا من الام الجاهلة التي تسللت في حالة ضغط وقدمت إبنها للمطعوم حتى لا تعود بعد اسابيع ؟؟ّ!! ام يجب عليّ ان أقوم بإبلاغ مسؤولتي في العمل بحيثيات ما جرى لتقوم بالتصرف المطلوب حفاظا على حياة الطفل وأتحمّل نتيجة الخطأ الذي لم يكن لي فيه تعمدٌ أو قصد ؟؟
هذه التساؤلات ومثلها بقيت تراود تفكيرها حتى إنفك الدوام،وتعاظم ذلك الجدال في نفسها في البيت وليلا وهي تضع رأسها على وسادة النوم،كثيرا ما تقلبت بقلق،وتسلل اليها الارق بفعل ذلك الصراع الداخلي،حتى حسمت أمرها لتقول أن حياة الطفل هي مسؤوليتي،وهي الاهم من العقاب والوظيفة،هذا هو الصواب،غدا سأبلغ مسؤولتي في العمل بما جرى وبالتفاصيل،وليكن ما يكن،المهم أن حياة الطفل تكون بعيدة عن أي مضاعفات أو أخطار.
وفعلا في اليوم التالي،وقبل أن يبدآ الدوام،قامت بإحضار الملف،وأبغلت رئيستها بالعمل بكل ما جرى،وأبدت استعدادها لتحمل المسؤولية كاملة عما جرى مع مراعاة الظرف العملي في ذلك اليوم الذي أحاط بالخطأ..
دققت المسؤولة بالملف،ونظرت اليها قبل أن تتكلم معها فشاهدت في وجهها القلق والتخوف على حياة الطفل،فابتسمت المسؤولة قليلا وقالت لها :-
لا تقلقي لا يوجد أخطار على حياة الطفل…ولن تكون هناك مضاعفات…ما قمت به لم يكن بقصد أو تعمد .. ويوم العمل ذاك لم يكن طبيعيا…لا مسؤولية عليك…بالعكس أنا أُهنأ جرأتك وصدقك مع نفسك ومع الاخرين…وهذا يعزز الثقة بك أكثر…أتمنى ان يكون الجميع بمثل هذه القيَّم،لأننا نتعامل مع أرواح،وأرواح أطفال أو مرضى.
تنفست الممرضة الصعداء بعدما سمعت هذا الكلام،وحملت ملف الطفل ونهضت وهي تشعر بان حمل اللوم الذي إنتابها منذ يومين قد إنزاح عن ظهرها،وعادت لغرفتها تباشر عملها بثقة ونشاط وارتياح .







