“قلب في أقصى اليسار” رواية للكاتب الحزائري سليم عبادو

مهند طلال الاخرس

“قلب في أقصى اليسار” رواية للكاتب الحزائري سليم عبادو تقع على متن 205 صفحة من القطع المتوسط، والرواية بطبعتها الاولى صدرت في سنة 2024 عن دار الامير للنشر والتوزيع والترجمة في مرسيليا/فرنسا.
الرواية تتناول سيرة ومسيرة المناضل الجزائري والاممي محمد بودية، من خلال سيرة روائية تمزج بين الخيال والحقيقة، وقد احسن الكاتب واتقن حرفته من خلال توظيف مخياله الروائي وتطويعه ضمن سياق السيرة النضالية والفكرية والفنية لبطلنا وبطل الرواية محمد بودية.
تندرج رواية «قلب في أقصى اليسار» ضمن ما يمكن تسميته بالسيرة الروائية النضالية، وهي صيغة سردية تمزج بين الوقائع التاريخية والخيال الأدبي في محاولة لإعادة بناء شخصية تاريخية من داخل عالم الرواية. ويختار الكاتب في هذا العمل شخصية المناضل الجزائري الأممي محمد بودية بوصفها محورًا سرديًا تتحرك حوله الأحداث، مستعيدًا عبرها مرحلة مفصلية من التاريخين الجزائري والفلسطيني، وكذلك من تاريخ الحركات الثورية العالمية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
الرواية نجحت بتسليط الضوء على جوانب خفية من شخصية بودية العائلية و النضالية والفنية وطروحاته السياسية والفكرية.
دلالة العنوان
يحمل عنوان الرواية «قلب في أقصى اليسار» دلالة رمزية وسياسية واضحة. فـ”اليسار” هنا لا يشير فقط إلى الموقع الجغرافي أو الاتجاه، بل إلى الانتماء الفكري والأيديولوجي المرتبط بحركات التحرر والعدالة الاجتماعية. أما “القلب” فيحيل إلى الالتزام الوجداني والإنساني العميق بالقضايا التحررية.
بهذا المعنى يصبح العنوان تعبيرًا عن الهوية الفكرية لبطل الرواية: مناضل يعيش أقصى درجات الالتزام السياسي والأخلاقي بقضايا التحرر، سواء في الجزائر أو في فلسطين أو ضمن الفضاء الثوري العالمي.
الرواية سلسة وكتب بلغة حركية رشيقة وذات مضمون غني ومشوق، بحيث تتسابق الانامل لتقليب صفحات الرواية بنهم وشغف منقطع النظير بغية معرفة ماذا جرى؟ وكيغ حدث؟ وماذا بعد؟ كل هذا التشويق جاء نتيجة تدافت الاحداث وتلاحقها، والتي تحبس الانفاس بهدف الاطلاع على نهاياتها…
هذه النهايات كلها ترتسم كشريط سينمائي متعدد الصور، ومن مجموع هذه الصور يخال القاريء نفسه في عرض سينمائي حي، تتعدد مشاهده ولقطاته ويتنوع فضائه المكاني ، وكلها تخدم سيرة وسيرورة البطل من ماسح للاحذية الى عامل في بقالة الى سجين في اصلاحية للاطفال يكتسب خلالها فنون وتعاليم كثيرة، لكن يبقى اهمها تعلقه وتعلمه المسرح خلال تلك الفترة، ذلك الامر الذي ستبقى اثاره جلية وواضحة على خطوات بطلنا وسيرته فيما بعد…
تتلاحق الاحداث ويكبر صاحبنا ويشتد عوده، فينتمي لصفوف الثورة الجزائرية وهنا تتشابك العلاقات وتتعدد المصائر؛ يسجن صاحبنا في فرنسا ويقرر الهروب، وما ان تم له ذلك حتى كانت الجزائر تنعم بالاستقلال ، فيلتحق بسلك المسرح الجزائري بعيد الاستقلال مباشرة وهنا تبدا الخيوط الموازية والتعقيدات والطموحات والانحرافات والانشقاقات تظهر بصفوف ثوار ورفاق الامس؛ ينقلب بومدين على بن بيلا وتضيق السبل بصاحبنا بعد محاولات سلطة الانقلاب اعتقاله فيهرب الى تونس ومنها يعود الى لفرنسا حيث الاصدقاء والرفاق القدماء…
ويسجل للكاتب تناوله تلك الاحداث بحيادية ووطنية سامية، من خلال عرضها ضمن السياق الروائي وبما يضمن تسلسل مراحل السيرة لصاحبنا دون تجريح باحد او سلطة اونظام، فكلنا وكلهم اشقاء واصدقاء ورفاف درب ومسيرة، ومن خطواتهم جاء تاريخنا الذي نكتب ونتتبع خطاه، ولولا تلك الخطى والخطوات لنقطع التاريخ وكنا خارج دورته وصيرورته….لكنها الحياة وتصاديف القدر دائما ما تاخذنا في تعقيدات المرحلة واهوائنا ونزواتنا وهو الصراع الذي يخسر فيه دائما الانسان من اصحاب المثل والفيم من رواد واصحاب المدينة الفاصلة…
في فرنسا يعيد صاحبنا سيرته الاولى وبستعيد علاقاته السابقة ويحييها من جديد، لكن هذه المرة من اجل فلسطين..
يزوره محمود الهمشري ممثل فلسطين في فرنسا حاملا من رسالة من ابو جهاد، وكان بودية قد تعرف اليهما في زيارة افتتاح مكتب حركة فتح بالجزائر [ص99]، ثم تتمدد العلاقات وتتشعب، فيتعرف صاحبنا على وديع حداد وابو داوود ووائل زعيتر وكارلوس، ويزور كوبا ويلتحق بجامعة باتريس لوممبا في موسكو..
يتعاون صاحبنا مع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية ويتولى الدعم اللوجستي للعمليات الخارجية في اوروبا ومن ثم يتراسها، ويتعاون مع حركة فتح ومنظمة ايلول الاسود ويقوموا بعدة عمليات في فلسطين[ مثل عملية نادية برادلي، وعملية مطار اللد بمساعدة من الجيش الاحمر الياباني وبقيادة الجبهة الشعبية، وعملية خطف الطائرات، بالاضافة الى عدة عمليات في اوروبا منها خطف طائرات ونسف خطوط النفط في فرنسا ونسف محطات التكرير ومصافي النفط بتريستا الايطالية، بالاضافة الى اشتراكه بعملية ميونخ التي قامت بها ونفذتها منظمة ايلول الاسود [طبعا مع الاخذ بحقيقة الامور بان هذا الامر غير دقيق] بالاضافة الى الاشتراك بعملية تصفية قائد الموساد في اوروبا باروخ كوهين [طبعا مع الاخذ مرة اخرى بحقيقة الامور بان هذا الامر غير دقيق ايضا] لكن السياقات الزمنية المتقاربة وتوظيفها بشكل منهجي خدم الرواية واضاف عليها احداثا زادت من بهجتها واغنت مضمونها واثرت ابعادها وفتحت لصفحاتها افاقا ساهمت ببعث حس التشويق والاثارة عبر صفحات الرواية، عداك عن مدى التاثير والايقاع الذي تحدثته مثل هكذا احداث بنفس القاريء…
وهذا ما كان ليتم اصلا لولا حس الكاتب الوطني ةلعميق والمتجذر والمستند اصلا الى وعي معرفي ومخزون ثقافي وتاريخي اسعفه بتقديم هذه الرواية البديعة حد الثمالة..
البناء السردي ومسار الشخصية
تعتمد الرواية على بناء سردي تصاعدي يبدأ من البدايات المتواضعة لبطلها، حيث يظهر محمد بودية في طفولته وشبابه المبكر ضمن ظروف اجتماعية قاسية، بدءًا من عمله ماسحًا للأحذية وصولًا إلى دخوله إصلاحية الأطفال بسبب اخذه راتبه عنوة من صاحب القالة التي يعمل بها..، وهي المرحلة التي تكتسب أهمية خاصة في الرواية.
فالكاتب يجعل من السجن الأول لحظة تأسيسية في شخصية بودية؛ إذ يتعرف هناك إلى عالم المسرح، وهو اكتشاف سيؤثر لاحقًا في مساره الفني والسياسي معًا. ومن هنا تبرز إحدى السمات المهمة للرواية، وهي تداخل الفن بالنضال في تشكيل شخصية البطل، ومع تقدم الأحداث، تتسع دائرة السرد لتشمل:
مشاركته في الثورة الجزائرية، سجنه في فرنسا والكتابة والقيادة وتعليم السجناء التمثيل المسرحي داخل السجن واعداد مسرحية الزيتونة للعرض ثم هروبه، انخراطه في المسرح الجزائري بعد الاستقلال
الصراعات السياسية التي أعقبت الاستقلال، خاصة بعد انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة، هذه التحولات تعكس مسارًا دراميًا لشخصية تتحرك بين الثورة والفن والمنفى.
الرواية بين التاريخ والتخييل
من أبرز سمات الرواية المزج بين المادة التاريخية والتخييل الروائي، فالكاتب يستند إلى وقائع حقيقية تتعلق بحياة محمد بودية وعلاقاته بالحركات الثورية، لكنه في الوقت ذاته يسمح للخيال الروائي بإعادة ترتيب هذه الوقائع أو توسيعها بما يخدم البناء الدرامي،
ويظهر ذلك بوضوح في توظيف أحداث تاريخية مثل:
العمليات الفدائية الفلسطينية في أوروبا، عملية مطار اللد، عملية ميونخ، عملية نادية برادلي، سلسلة العمليات ضد المصالح الإسرائيلية.
غير أن الرواية لا تتعامل مع هذه الأحداث بوصفها توثيقًا تاريخيًا دقيقًا بقدر ما تتعامل معها كمواد سردية تخدم الحبكة، ولذلك -وكما ذكرنا سابقا- ينبغي ان نشير مرة اخرى إلى أن بعض الارتباطات التاريخية ليست دقيقة تمامًا، لكن وظيفتها في الرواية جمالية وسردية أكثر منها توثيقية.
البعد الأممي للنضال
نجحت الرواية في إبراز شخصية صاحبنا الكبير بودية بوصفه مناضلًا أمميًا يتجاوز الحدود الوطنية، فبعد تجربته في الثورة الجزائرية، ينتقل نضاله إلى فضاء أوسع عبر علاقاته مع:، قيادات فلسطينية، فصائل المقاومة المختلفة، شخصيات ثورية عالمية.
ومن خلال هذه الشبكة من العلاقات، تتحول الرواية إلى سردية عن التضامن الثوري العالمي في تلك المرحلة، حيث تتقاطع قضايا التحرر من الجزائر إلى فلسطين إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية.
كما تبرز الرواية الدور الذي لعبه بودية في الدعم اللوجستي للعمليات الخارجية، وهو جانب قلما يتم تسليط الضوء عليه في السرديات التقليدية.
تقنيات التشويق والإيقاع السردي
يتميز العمل بإيقاع سردي سريع نسبيًا، يعتمد على:
تلاحق الأحداث، تعدد الأمكنة، تغير المشاهد، بما ويتلائم وطبيعة احداث الرواية، وهذا ما يمنح الرواية طابعًا قريبًا من السينما، حيث تتتابع المشاهد كما لو أنها لقطات فيلمية. فالقارئ ينتقل بين الجزائر وفرنسا وإيطاليا وموسكو وكوبا وبيروت وفلسطين، في فضاء روائي واسع يعكس طبيعة الحركة الثورية العالمية في تلك المرحلة.
هذا الأسلوب يخلق عنصر التشويق الذي يدفع القارئ إلى متابعة الأحداث لمعرفة ما سيحدث لاحقًا.
صورة العدو في الرواية
في المقابل، تقدم الرواية جهاز الموساد بوصفه قوة مضادة تتحرك في الظل، ويعمد الكاتب إلى تعرية شخصيات عناصره [الموساد والاحتلال عموما] عبر استعراض خلفياتهم النفسية والمرضية والتاريخية وازماتهم الاجتماعية، وربطها بتاريخ التنظيمات الصهيونية المسلحة مثل عصابات الهاغاناه.
هذا التقديم يمنح الرواية بعدًا صراعيًا واضحًا، حيث يتصاعد التوتر مع إطلاق عملية «غضب الرب» التي استهدفت قادة العمل الفدائي بعد عملية ميونخ.
النهاية التراجيدية
تتجه الرواية في نهايتها نحو مصيرها التراجيدي المتمثل في اغتيال/استشهاد بطلنا محمد بودية، ويأتي هذا المصير في سياق تصاعد الصراع بين العمل الفدائي وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
لكن الرواية لا تقدم هذا الاغتيال بوصفه مجرد نهاية لشخصية فردية، بل بوصفه خسارة رمزية لحلم ثوري واسع؛ حيث تضيف الرواية بعدًا دراميًا آخر لهذه النهاية التراجيدية، من خلال ربط بقاء بودية في فرنسا بخطة تمويه مرتبطة بحرب أكتوبر 1973، وهو عنصر يعزز الطابع التراجيدي للبطل الذي يواصل دوره رغم إدراكه لخطر الموت.
القيمة الأدبية للرواية
يمكن القول إن الرواية ذات قيمة ادبية عالية، وهذه الفيمة تجلت من خلال القضية التي تناولها الكاتب سليم عبادو والتي ابدع واجاد اكثر حين جعل بطلنا الكبير ابو دية محورا لها واننا نرى مرد هذا النجاح والتميز يعود للاعتبارات التالية :
إحياء سيرة شخصية ثورية قلّما تناولها الأدب العربي.
الربط بين التاريخ الجزائري والفلسطيني في إطار سردي واحد.
المزاوجة بين الفن والنضال في تشكيل شخصية البطل، هذا علاوة على المزاوجة بين الفنون والاداوات السردية المستخدمة في الرواية؛ فكثيرا ما اغنى هذا التنوع [المسرحي والشعري والروائي] النص الروائي ، وهذا الامر ينصرف ايضا على نجاح الكاتب عبادو باستخدام تقنيات التشويق والسرد السينمائي في الرواية.
بقي ان نشير مرة اخرى الى أن الرواية، مثل كثير من السير الروائية، تواجه تحديًا يتمثل في الموازنة بين التوثيق التاريخي والخيال الأدبي، إذ قد يؤدي توسيع بعض الأحداث أو إعادة ترتيبها إلى خلق التباس بين الحقيقة التاريخية والبناء الروائي، وهذا ما حصل كثيرا بين دفتي الرواية، لكننا ايضا نقول بان هذا الامر جاء ضمن التوظيف الواعي للاحداث والمستند الى صحة الفكرة والقضية والمبدا الذي يخدم، وحتى العملية الفدائية التي حصلت ونختلف على تفاصيلها وليس على عدم وقوعها من حيث المبدا، لهذا اقتضي التنويه..
في المحصلة، تمثل رواية «قلب في أقصى اليسار» عملًا أدبيًا يستعيد سيرة أحد المناضلين الكبار الذين تحركوا في الفضاء الأممي لحركات التحرر في القرن العشرين. ومن خلال المزج بين التاريخ والخيال، ينجح الكاتب في تقديم رواية مشوقة وغنية بالأحداث، تضيء جوانب إنسانية وسياسية من شخصية محمد بودية، وتعيد طرح أسئلة كبرى حول معنى النضال والتضحية في زمن الثورات.
فطوبى وطيب لكاتبنا البهي الجميل سليم عبادو وهو يقتفي اثر الراحلين الكبار من امثال محمد بودية، والذي حق فيه قول الشاعر :”وكم رجلٍ يُعدُّ بألف رجلٍ ….
وكم من الف تمرُّ بلا عداد”.