السياسي – بخلاف إقلاع رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني عن التدخين، لم تأت قمة “مجموعة السبع” التي استضافتها فرنسا بقرارات جوهرية تُذكر.
القمة كانت أشبه بمحاولة لإظهار وحدة سياسية بات الحفاظ عليها إنجازاً بذاته. ففي مواجهة الحروب المتواصلة، واضطراب أسواق الطاقة، وصعود الصين، وتنامي نفوذ القوى الناشئة، اجتمع قادة الدول الغربية الأكثر تقدماً لإصدار سلسلة من البيانات حول أوكرانيا وروسيا وإيران والمعادن الاستراتيجية والديون والهجرة والذكاء الاصطناعي.. إلّا أنّ الحصيلة الفعلية بقيت أقل بكثير من حجم التحديات المطروحة، إذ لم تتحول معظم التعهدات إلى آليات ملزمة أو إلى جداول زمنية واضحة.
هذا الدعم لم يُظهّر في أي آليات تنفيذية، حيث بدا أنّ الهمّ الأوروبي كان منصبّا على إعادة واشنطن إلى الاجماع الغربي لتصويره نجاحاً، وذلك بعد فترة من الشكوك في مدى التزام الإدارة الأمريكية بدعم أوكرانيا.
الاهتمام السياسي في القمة تركّز على إظهار التقارب بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن الحرب في أوكرانيا، وتعهد القادة بمواصلة دعمها ومساعدتها على إنتاج الدفاعات الجوية محلياً
لكن حتى هذه المخرجات لم ينتج خطة سلام، ولم تحدّد شروطاً واقعية لوقف الحرب، ولم تقدم أي ضمانات أمنية جديدة ملزمة لكييف. وكذلك لم تُعلن عن أي حزمة مالية أو عسكرية جماعية تشكل تحولاً جذرياً في موازين القوى، بل بقيت المواقف المتعلقة بأوكرانيا أقرب إلى إعادة تثبيت الخطاب الغربي التقليدي منها إلى إطلاق سياسة جديدة قادرة على فرض تسوية أو تغيير اتجاه الحرب.
وفي ملف إيران والشرق الأوسط، رحبت المجموعة بالتفاهم الأوّلي بين واشنطن وطهران وأعلنت استعدادها للمساعدة في تنفيذه، من دون أن تقدم نفسها شريكاً أساسياً في صياغته، أو لمعالجة جذور الأزمة، فاقتصر دور المجموعة على دعم المسار الأمريكي والتشديد على ضرورة حماية إمدادات الطاقة واستقرار الأسواق، وظهرت محدودية هذا الدور في التعامل مع مخاطر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
في الشأن الاقتصادي، قرر قادة المجموعة إنشاء إطار للتعاون في مجال المعادن الحرجة، بهدف تخفيف الاعتماد الغربي على الصين، لكنهم لم يتفقوا، بصورة نهائية، على حجم الدعم الحكومي، أو على كيفية توزيع كلفة بناء سلاسل إمداد بديلة، أو استخدام أسعار دنيا لحماية المنتجين الغربيين. وهكذا تحولت خطة المعادن إلى إعلان عن الاتجاه الذي تريده المجموعة أكثر مما كانت قراراً اقتصادياً مكتمل الأدوات.
وتظهر أحدث الأرقام، أن حصة دول مجموعة السبع من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تراجعت من نحو 50 في المئة إلى 27.96 في المئة في العام 2026، برغم أنّ حجم اقتصاداتها المجتمعة تبلغ 55.3 تريليون دولار وتضم 790 مليون نسمة. المجموعة لن تستطيع بعد اليوم، اتخاذ قرارات اقتصادية عالمية بمعزل عن الصين والهند وروسيا ودول الجنوب العالمي، كما لم تعد قادرة وحدها على تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي أو فرض قواعده على بقية الدول
كما تكشف أرقام صندوق النقد الدولي أنّ ديون دول المجموعة تتجاوز اليوم 123.7 في المئة من ناتجها المحلي، في مؤشر على تآكل هيمنتها الاقتصادية أمام صعود قوى ناشئة.
وهذا يعني أنّ المجموعة لن تستطيع بعد اليوم، اتخاذ قرارات اقتصادية عالمية بمعزل عن الصين والهند وروسيا ودول الجنوب العالمي، كما لم تعد قادرة وحدها على تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي أو فرض قواعده على بقية الدول.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ قمة إيفيان حققت نجاحاً سياسياً محدوداً، لأنّها منعت ظهور انقسام علني كبير، كما حافظت على الحد الأدنى من التنسيق بين واشنطن وحلفائها. لكنّها في الوقت نفسه، لم تحقق نجاحاً استراتيجياً أو اقتصادياً موازياً، لأنّها عجزت عن تقديم حلول ملزمة للحروب أو في مجال الطاقة أو الديون، كما لم تحول مشروع المعادن الحرجة إلى برنامج تنفيذي متكامل.
كانت القمة، في جوهرها، انعكاساً لمجموعة تحاول التكيّف مع عالم لم تعد مركزه الوحيد. وكلما تقلّص وزنها النسبي، ازدادت حاجتها إلى البيانات التي تؤكد وحدتها، وكلما صعدت القوى المنافسة، تحولت اجتماعاتها من وضع قواعد النظام العالمي إلى حماية ما تبقى من نفوذها داخله.
وبذلك كانت زحمة البيانات الصادرة عن إيفيان، دليلاً على ندرة الإنجازات، ومؤشراً على صعوبة الاتفاق على قرارات أكثر إلزاماً. فقد نجحت مجموعة السبع في وصف الأخطار المحيطة بها، لكنها فشلت في تثبيت قدراتها على امتلاك الوسائل الاقتصادية والسياسية الكافية لمعالجتها.
-نبيل الجبيلي






