يبدو أن عملية اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلي “مادورو” التي قامت بها قوات خاصة من الجيش الأميركي ، تدخل في إطار ما يمكن أن نطلق عليه ” قوة الحق ، وحق القوة “، مع إدانتنا القوية لمثل هذه العملية ، التي تدخل في إطار البلطجة الأميركية.
وفي هذا الإطار تدخل أيضا حرب الإبادة المتواصلة لأكثر من عامين في قطاع غزة ، التي بدأتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد عملية السابع من أكتوبر 2023 ، ومن الواضح في الحالتين تفوق حق القوة على قوة الحق ، ففي حالة فنزويلا تقع عملية عسكرية لاعتقال رئيس دولة منتخب من قبل شعبه ومجدد له لفترة ثانية ، وهو بذلك يمتلك قوة الحق لقيادة بلاده وفق القوانين الدستورية والدولية ، غير أن وجود رئيس دولة في منطقة النفوذ الأميركي ، يحمل شعارات ثورية ، ويمتلك ثروات كبيرة نفطية ومعدنية ثمينة ، جعلت هذا البلد محط أنظار من دولة تمتلك حق القوة ، فبدأت تلفيق التهم للرجل ، بالاتجار بالمخدرات وغزو الولايات المتحدة بها ، بالإضافة إلى أنه يقيم علاقات ثورية قوية مع إيران ، وعلاقات اقتصادية قوية مع الصين ، المنافس الأول مع الولايات المتحدة الأميركية ، مما أدى إلى التخلص منه ، بعملية هوليوديه باعتقاله وزوجته ، وهو رجل الشعارات والثروات.
نفس الحالة يمكن أن تنطبق على الوضع في غزة ، فقد تمكنت القوة الغاشمة ( إسرائيل ) صاحبة ” حق القوة ” ، والتي دعمتها أكبر قوة عالمية ( أميركا ) من استغلال عملية السابع من أكتوبر ، التي نفذتها القوة الثورية (حماس) صاحبة “قوة الحق” في مقاومة الاحتلال ، بما تحمله من شعارات ثورية ، والتي لم تكن كافية لدعم الحق الفلسطيني ، وفي حالة غزة تبدو لنا الثروة من أهم أسباب استمرار الحرب ، وما تكشفت عن أهدافها بالحصول على ثروات غزة من النفط والغاز ، والمنطقة الاستراتيجية ، سواء بالمكان الذي يطل على القارات الثلاث ( آسيا وأفريقيا وأوروبا )، أو بالسياحة على أجمل شواطئ المتوسط ، والتي أعلن الرئيس ترامب أنه سيحولها إلى ” ريفيرا الشرق ” ، وبذلك ستصبح غزة محمية أميركية ، وهو نفس الشعار الذي صرح به ترامب عن فنزويلا ، بأن تصبح فنزويلا محمية أميركية ، واستغلال ثرواتها النفطية وغيرها لصالح الولايات المتحدة .
ومن هنا تتواصل نظرية حق القوة ، ضد قوة الحق ، وبدأ الرئيس الأميركي بتوجيه التهديدات ، ضد بلد الشعارات ( إيران ) بتغيير النظام ، بحجة منع نظام الملالي من قمع المظاهرات ، وحماية المواطنين الإيرانيين من القتل ، والهدف يتعلق أيضا ، بالحصول على ثروات إيران الضخمة من النفط والغاز ، وهنا نرى نفس المشهد بتقدم ” حق القوة ” على ” قوة الحق ” ، حيث لم تعد تنفع الشعارات الثورية ، أمام الثروات النفطية ، والأطماع الأميركية.
ويستمر مسلسل ” قوة الحق وحق القوة ” ، في التهديدات الأميركية لدول أميركا اللاتينية ، بنفس مصير فنزويلا ورئيسها مادورو ، وخاصة كولومبيا والمكسيك ، صاحبتا الشعارات الثورية ، المهيئتان لاستمرار فرض القوة الغاشمة ، أي “حق القوة ” ضد أصحاب الشعارات الثورية ، أو ” قوة الحق “.
وفي تطبيق لنفس الحالات السابقة ، تأتي تهديدات ترامب بالاستيلاء على جزيرة ” جرينلاند ” التابعة لدولة الدنمارك ، والمتمتعة بالحكم الذاتي ، وهي الجزيرة الغنية بثرواتها ، وتمتك قوة الحق في الإدارة وامتلاك الثروات ، تقف أمام حق القوة ، التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية.
من هنا يبدو أن ميزان الحق بات مقلوبا ، وغير متوازن ، بعدما أصبح ” حق القوة ” ، هو المنتصر على ” قوة الحق ” ، وان حماية الدول والشعوب والثروات ، لم تعد تنفع فيها الشعارات ، أمام الأطماع في هذه الثروات ، تحت أي ذرائع أو حجج كانت ، وهو ما نشهده الآن من صراع الثورة والثروة.






