السكة – المحطة الثقافية – بقلم سنان وريشة ناصر
في صحراء قاحلة لزمن متصلب، تحت سماء بيضاء، يرتفع المنحوت البشري. رجل عاري، أملس كما التمثال، مبتورة قدماه عند الكاحلين بقطعٍ نظيفٍ خالٍ من الدماء، كأنه وُلد هكذا.
في خلفية اللوحة نملة عملاقة تمشي على أرض بعيدة وظل التمثال على الرمل لا يطابق شكله، بل ظل منبطح على الارض. ثنائية اللوحة الواقفة والظل المنبطح هي حالة الوجود المستحيلة التي تبرزها اللوحة.
جسد المنحوت يقاوم جاذبية السقوط بوحشية هندسية. ثلاث عصي ضخمة من خشب أسود، رُبطت قممها تشكل هرمًا قاعدته على الرمل. قمتة المدببة كسهم تنغرس اسفل ظهره، لتصبح نقطة الارتكاز الوحيدة التي تمنعه من السقوط .
العصي الثلاث هي أعمدة وهمية لكبرياء، ذاكرة، إرادة. كلما ازداد ضغطه عليها ليحافظ على “وقفته”، كلما انغرست قمة الخازوق الحاد أعمق، متوسعة في اللحم والروح بثقب أسود من الألم.
وجهه لا يحمل تعبير المعاناة الكلاسيكية. عيناه واسعتان، بياضهما يشبه أرضًا ملحية جافة، بلا بؤرة. لا صراخ، لا تحدٍّ، لا دموع. فيها فراغ القبول بشرط العذاب. هو ينظر إلى الأفق المسطح، لكنه لا يرى شيئًا سوى خياريي: الاستمرار في “الوقوف” ليخترقه الخازوق ببطئه المتسع بما يتيح وهم “الانتصار”، بينما الألم البارد يصبح جزءًا من العظام. والخيار الأخر هو الانبطاح والاعتراف بالهزيمة والسقوط على الأرض، وفقدان الكرامة تماما كالظل في اللوحة، ليغدو مجرد جريح مهزوم، عالق بين منزلتي: لا ميتًا فيُدفن ويُنسى، ولا حيًّا يتحرك.
هو سجن الاختيار المستحيل. سجن السؤال المروع عن الحرمان من رفاهية الهزيمة الكاملة بكل ألمها وإهانتها كنعمة لا يستحقها أو لا يقدر عليها؟
الكبرياء هي الخازوق ذاته. والوقوف هو سقوط بطيء،هزيمة ومزيدا من انغراس خازوق الهرم المتوسع.
قلم سنان شقديح وريشة عبدالناصر الحوراني






