كلمة رثاء في الذكرى الثامنة والثلاثين لاستشهاد القائد خليل الوزير (أبو جهاد)

د. صالح الشقباوي

ثمانية وثلاثون عاماً تمرّ، وما زال صوت الرصاص الذي غدر بالقائد خليل الوزير (أبو جهاد) يتردّد في وجداننا، لا كذكرى ألمٍ فقط، بل كنداءٍ دائمٍ للثورة، وكوصيةٍ مفتوحةٍ على المستقبل.
لم يكن أبو جهاد مجرد قائدٍ عسكري في مسيرة الثورة الفلسطينية، بل كان روحها التي تسري في عروق الفدائيين، وعقلها الذي يخطّ طريقها في أحلك اللحظات. كان يؤمن أن فلسطين ليست شعاراً يُرفع، بل فعلٌ يُمارس، وتضحيةٌ تُعاش، ودمٌ يُقدّم على مذبح الحرية.
في تلك الليلة الغادرة من نيسان، حين امتدّت يد الغدر لتغتال الجسد في منفاه، كانت تظن أنها تُنهي رجلاً، لكنها في الحقيقة أطلقت فكرةً لا تموت، ورسّخت معنى أن القادة الكبار لا يغيبون، بل يتحوّلون إلى ذاكرة شعب، وإلى بوصلة نضال.
لقد كان أبو جهاد مهندس الانتفاضة الأولى، وصانع الفعل المقاوم الذي أعاد للشعب الفلسطيني حضوره التاريخي، وأثبت أن إرادة الشعوب أقوى من كل أدوات القمع والاحتلال. كان يرى في الطفل الفلسطيني مشروع ثائر، وفي الحجر بياناً سياسياً، وفي الأرض هوية لا تقبل المساومة.
ثمانية وثلاثون عاماً، وما زال السؤال قائماً: ماذا يعني أن نكون أوفياء لأبي جهاد؟
هل الوفاء أن نبكيه؟ أم أن نحمل مشروعه؟
هل الوفاء أن نستذكره؟ أم أن نُجسّد روحه في وحدتنا الوطنية، وفي قدرتنا على تحويل الألم إلى فعل، والانقسام إلى قوة، والشتات إلى وطن؟
إن أبو جهاد لم يكن حالةً عابرة في تاريخ الثورة، بل كان تأسيساً عميقاً لفلسفة النضال الفلسطيني؛ فلسفةٍ تمزج بين البندقية والعقل، بين الفعل الميداني والرؤية الاستراتيجية، بين الحلم والواقع. ومن هنا، فإن استشهاده لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية اختبارٍ دائم لمدى قدرتنا على الاستمرار.
في ذكراك يا أبا جهاد، نقف لا لنرثيك فقط، بل لنراجع أنفسنا:
هل ما زلنا على العهد؟
هل ما زالت البوصلة تشير إلى فلسطين؟
هل ما زلنا نؤمن أن الثورة ليست ماضياً نحتفل به، بل حاضراً نعيشه ومستقبلاً نصنعه؟
سلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم ناضلت، ويوم استشهدت، ويوم تبقى حيّاً في ضمير شعبٍ لا يموت.
سلامٌ عليك أيها القائد الذي علّمنا أن الطريق إلى فلسطين لا يُقاس بالمسافة، بل بالإرادة.
ستبقى يا أبا جهاد اسماً محفوراً في ذاكرة التاريخ، وفعلاً مستمراً في وجدان الثورة، وعهداً لا يسقط مهما اشتدّ الزمن.
المجد للشهداء، والحرية لفلسطين.