السياسي – يعتبر منصب الأمين العام للأمم المتحدة، أحد أهم المناصب الدبلوماسية في العالم، عبر الجمع بين الدور الإداري والدبلوماسي، لمنظمة تجمع العالم كله.
ورغم أنه يطلق عليها انتخابات لتحديد الشخصية التي ستقود المنظمة الدولية الأكبر، إلا أنها في الوقت عملية اختيار وتعيين وفق المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، تتحكم بها مصالح القوى الكبرى ورغباتها، ويمكن بصوت واحد للأعضاء الدائمين عرقلة اختيار الأمين الجديد.
وكانت عملية انتخاب أمين عام جديد، فشلت أمس، بعد استخدام الأعضاء الدائمين حق النقض “الفيتو” بشكل غير مشترك، للاعتراض على الأسماء التي طرحت للمنصب.
وفي ختام “تصويت استطلاعي”، لم يحظ أي من المرشحين السبعة برضا القوى الخمس الكبرى التي تتمتع بحق النقض ما يفتح الباب أمام احتمال طرح ترشيحات جديدة.
وترشحت للمنصب حتى الآن أربع نساء وثلاثة رجال لخلافة أنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايته الثانية، ومدّتها خمس سنوات، في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026.
والمرشحون هم التشيلية ميشيل باشليه، والإكوادورية ماريا فرناندا إسبينوزا، والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، والغويانية كارولين رودريغيز-بيركيت، والأرجنتيني رافاييل غروسي، والأوغندي أولارا أوتونو، والسنغالي ماكي سال.
وتعتبر المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، النص الدستوري الوحيد، الحاكم لتعيين الأمين العام، ورغم ذلك، لا تفصل في معايير الأهلية، ولا مدة الولاية أو إجراءات الترشح، لذلك اعتمدت الجمعية العامة قرارات مكملة، أبرزها القرار 11 لعام 1946 والذي ينص على أن التوصية والتعيين يناقشان في جلسات خاصة، وأن أي تصويت يكون سريا، ويفضل أن يوصي مجلس الأمن بمرشح واحد فقط.
لكن العرف جرى على استبعاد مواطني الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، لتجنب النفوذ المفرط.
في المقابل يجري الحرص على التناوب الإقليمي، بين المجموعات الجغرافية في القارات، إضافة إلى تشجيع ترشيح النساء، واللواتي لم يصلن إلى هذا المنصب بالمطلق منذ إنشاء الأمم المتحدة.
ويقضي الأمين العام 5 سنوات في ولايته، تكون قابلة للتجديد، مرة اوحدة فقط في حال وافق عليه الأعضاء.
يحتاج مجلس الأمن إلى 9 أصوات إيجابية على الأقل، من أعضائه الـ 15، من ضمنهم الأعضاء الدائمون، وعدم لجوئهم إلى الفيتو، من أجل إحالة التوصية للجمعية العامة، التي تختار المرشح.
وتبدأ عملية الترشيح من السنة السابقة لانتهاء ولاية الأمين العام الحالي، ويصدر رئيس الجمعة العامة، ورئيس مجلس الأمن رسالة مشتركة يدعوان فيها الدول الأعضاء إلى تقديم ترشيحات، وخلال الدورة الحالية صدرت الرسالة في 25 تشرين ثاني/نوفمبر 2025.
وتقدم دولة عضو أو مجموعة دول، مرشحا واحدا فقط، ولا يسمح بالترشيح الذاتي، ورفق المرشح بسيرة ذاتية وبيان رؤية وإفصاح عن مصادر تمويل حملته، وتنشر هذه الوثائق والتفاصيل على موقع الأمم المتحدة.
ويعقد رئيس الجمعية العامة، جلسات علنية يشارك فيها المرشحون أمام الدول الأعضاء، والمجتمع المدني وموظفي المنظمة، لتقديم رؤاهم والإجابة على الأسئلة، وأدخلت هذه الإجراءات إلى التنفيذ عام 2016، لتعزيز الشفافية الاختيار.
وتجري عملية يطلق عليها الاقتراع الاستطلاعي، في مجلس الأمن، حيث يصوت الأعضاء، بصورة سرية، عبر إما تشجيع أو عدم تشجيع أو لا رأس، لكل مرشح، وفي الجولات المبكرة، تكون الأوراق متماثلة، ثم تستخدم أوراق ملونة، تتضمن الأحمر للأعضاء الدائمين التي ترمز للفيتو.
وحال ظهرت أغلبية تشجع أحد المرشحين، يتم التوصية به للجمعية العامة للأمم المتحدة، لتعلن تعيينه بالتزكية أمينا عاما للمنظمة.
ومن المفترض أن يبدأ الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، مهامه خلفا للحالي أنطونيو غوتيريش، بعد تعيينه في الأول من كانون ثاني/يناير 2027.
وخلال تاريخ الأمم المتحدة، وقعت مفارقات وأحداث طريفة ببعضها في عملية اختيار الأمين العام الجديد، ومنها رفض مرشحين كبار مثل دوايت آيزنهاور وأنطوني إيدن وليستر بيرسون، بسبب التوترات بين الشرق والغرب، ولجأت الأمم المتحدة لاختيار تريغف لي، كحل وسط، رغم اعتراض فرنسا الأولى، بسبب عدم تحدثه باللغة الفرنسية.
وفي عام 1950، استخدم الاتحاد السوفييتي الفيتو ضد تجديد ولاية لي بسبب موقفه من الحرب الكورية، فيما رفضت الولايات المتحدة أي مرشح آخر وهددت باستخدام الفيتو، وقامت الجمعية العامة بتمديد ولاية لي ثلاث سنوات دون توصية من المجلس والتي اعتبرت حالة فريدة، ولم تتكرر بعد ذلك، لكن السوفييت اعتبروا المنصب شاغرا في حينه.
وفي عام 1953 وقعت حادثة طريفة، في الأول من نيسان/أبريل، حين اقترحت فرنسا، داغ همرشولد السويدي، أمينا عاما للأمم المتحدة، وبعد الموافقة عليه وإبلاغه في منتصف الليل، اعتبر الأمر كذبة أول نيسان، وقال إنها “مزحة سيئة وتخلو من الذوق”، لكنه تحقق بالفعل من اختياره أمينا عاما.
ولجأت الولايات المتحدة للفيتو، ضد تجديد ولاية بطرس بطرس غالي من مصر، عام 1996، رغم حصوله على 14 صوتا، مقابل صوت واحد، ودفع الغضب الأمريكي من غالي إلى اختيار كوفي عنان، بعد خلافات حول المرشحين الأفارقة الناطقين بالإنجليزية والفرنسية.