كيف تستخدم إسرائيل قضية رواتب الاسرى لتشويه الرواية الفلسطينية؟

د. راسم بشارات - دكتوراه في دراسات غرب آسيا

خرج ملف مخصصات الأسرى الفلسطينيين خلال السنوات الماضية من إطاره المالي الضيق ليكون أحد أكثر أدوات الصراع السياسي والإعلامي حساسية وتأثيرا. هذا الملف الذي يقدم في السياق الفلسطيني الداخلي باعتباره سياسة رعاية اجتماعية تستهدف شريحة واسعة تضررت من الاحتلال الإسرائيلي، تم اعادة صياغته تدريجيا في الخطاب الدولي، ولا سيما الإسرائيلي والأمريكي، كدليل إدانة جاهز يستخدم لتقويض الرواية الفلسطينية برمتها. وفي هذا التحول، لم يتم مناقشة المخصصات بوصفها نتاجا لواقع احتلال طويل الأمد، بل جرى اقتطاعها من سياقها وإدراجها ضمن خطاب “تمويل الإرهاب”، بما يحول بندا اجتماعيا إلى سلاح سياسي فعال.

وقد اكتسب هذا المسار زخما جديدا تزامن مع تقرير نشرته صحيفة Washington Free Beacon، في 28 يناير 2026، استند إلى إخطار غير معلن من وزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونغرس، أشار إلى أن السلطة الفلسطينية واصلت خلال عام 2025 صرف مئات ملايين الدولارات لعائلات الأسرى والشهداء، رغم تعهدات سابقة بوقف هذه المدفوعات أو إعادة هيكلتها. غير أن أهمية التقرير لم تكن في الأرقام وحدها، بل في الطريقة التي تم تقديمه بها، بحيث تم وضعها ضمن سردية اتهامية تعيد تأكيد الرواية الاسرائيلية السائدة، في لحظة إقليمية تتسم بحساسية سياسية عالية وتنافس محتدم على تعريف “الشريك المقبول” دوليًا.

ووفق ما ورد في التقرير، لم تلغِي السلطة الفلسطينية برنامج المخصصات فعليا، بل لجأت إلى إعادة تنظيمه إداريا، عبر نقل الإشراف عليه إلى مؤسسة جديدة ذات طابع تنموي واقتصادي “مؤسسة تمكين”. هذه الخطوة، التي روج لها رسميا باعتبارها جزءا من مسار إصلاحي يهدف إلى فك الارتباط بين الدعم الاجتماعي والخطاب السياسي، قوبلت بتشكيك واسع في واشنطن وتل أبيب، حيث تم وصفها بأنها تعديل شكلي لا يغير من جوهر السياسة ولا من فلسفتها الأساسية.

ومن المنظور الأمريكي، لا ينظر إلى تغيير الجهة المشرفة أو الإطار المؤسسي على أنه كافي ما دامت الفكرة المركزية للبرنامج قائمة. فالمشكلة، وفق هذا التفسير، لا تتعلق بالإدارة أو بالآليات، بل بالمبدأ نفسه. وبهذا الفهم، بقي ملف مخصصات الأسرى حاضرا بقوة على طاولة الضغط السياسي، ليس بوصفه مسألة مالية قابلة للتسوية التقنية، بل كاختبار سياسي مباشر لمدى التزام السلطة الفلسطينية بالشروط الغربية، ومعيارا للحكم على “أهليتها” لأي دور مستقبلي في المشهد الإقليمي.

وتعززت هذه المقاربة مع الأرقام التي أوردها التقرير، والتي أظهرت تصاعدا ملحوظا في حجم الإنفاق، إذ قدرت المدفوعات بنحو 144 مليون دولار في عام 2024، وتجاوزت حاجز 200 مليون دولار في عام 2025. هذه الزيادة لم يتم قراءتها في الخطاب الغربي بوصفها انعكاسا لتوسع منظومة الاعتقال أو لارتفاع عدد المستفيدين، بل استخدمت لتعميق الشكوك حول نيات السلطة، وإعادة طرح سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: هل ما يجري إصلاح حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير لسياسات قائمة تحت مسميات جديدة؟

في المقابل، تستند السلطة الفلسطينية في دفاعها عن هذه السياسة إلى إطار قانوني محلي ملزم برعاية الأسرى وعائلاتهم، باعتبارهم شريحة اجتماعية متضررة بشكل مباشر من سياسات الاعتقال الإسرائيلية. إلا أن هذا الأساس القانوني الداخلي لا يحظى باعتراف مماثل في الساحة الدولية، حيث يعاد تقديمه في الخطاب الأمريكي بوصفه عقبة سياسية وأمنية، وليس مبررا قانونيا. وبهذا، يتحول القانون المحلي من أداة حماية اجتماعية إلى نقطة خلاف دولي، تستخدم لتقييد دور السلطة الفلسطينية في ملفات كبرى، من بينها إعادة إعمار غزة وترتيبات ما بعد الحرب، في سياق يعاد فيه تعريف الشرعية السياسية وفق معايير خارجية صارمة.

 

الضغوطات الأمريكية المالية كورقة سياسية

في دوائر صنع القرار في واشنطن، لم يعد ملف مخصصات الأسرى الفلسطينيين محصورا في نطاق التوصيف السياسي أو الخلاف الخطابي، بل أخذ يتحول تدريجيا إلى مادة نقاش عملي حول أدوات الضغط الممكنة. فمع تصاعد الانتقادات داخل الكونغرس، خاصة ممن يروا في استمرار هذه المخصصات تجاوزا للخطوط الحمراء الأمريكية، برزت مقترحات تتعلق بفرض عقوبات مالية على السلطة الفلسطينية. ويقدم هذا التوجه على أنه رد مباشر على ما يوصف في الخطاب الرسمي الأمريكي بـ”عدم الأهلية السياسية”، في إشارة إلى أن السلطة الفلسطينية، وفق هذا المنطق، لم تظهر التزاما كافيا بالشروط المفروضة عليها.

ولا يطرح التلويح بالعقوبات في سياق معزول، بل يتقاطع مع نقاش أوسع داخل الإدارة الأمريكية حول مستقبل السلطة الفلسطينية ودورها في المرحلة المقبلة. فملف المخصصات بات حاضرا في كل مرة يتم فيها بحث إعادة الإعمار في غزة، أو ترتيبات الحكم بعد الحرب، أو شروط إعادة إدماج السلطة في أي مسار سياسي إقليمي. وبهذا، لم يعد الخلاف يدور حول بند مالي بعينه، بل تحول إلى أداة تقييم شاملة تستخدم للحكم على مدى “صلاحية” السلطة كشريك سياسي، ما يجعل الضغط المالي بوابة لتأثير سياسي أعمق.

وفي هذا السياق، يلعب الإعلام دورا مركزيا في تهيئة المناخ العام لمثل هذه السياسات. فقد ترسخ مصطلح “الدفع مقابل القتل” (Pay for Slay) بوصفه العنوان الأكثر تداولا عند تناول مخصصات الأسرى في الإعلام الغربي، وخصوصا في الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا المصطلح لا يعمل كوصف محايد، بل كوسم إدانة جاهز يختصر القضية في ثلاث كلمات مشحونة أخلاقيا، ما يسهل تمرير المواقف السياسية المتشددة دون الحاجة إلى تفصيل أو تبرير إضافي.

والجدير بالقول أن هذا التعبير لا يرد في أي تشريع فلسطيني أو وثيقة فلسطينية رسمية، بل نشأ داخل دوائر ضغط سياسية محددة، اسرائيلية على وجه الخصوص، قبل أن يشق طريقه إلى تقارير مراكز الأبحاث، ثم إلى جلسات الاستماع في الكونغرس، وصولا إلى عناوين الصحف الغربية. ومع تكرار استخدامه، لم يعد المصطلح بحاجة إلى شرح أو تفكيك، إذ بات يؤدي وظيفته بمجرد تداوله، منتجا حكما مسبقا يغني عن النقاش، ويمنح صانعي القرار غطاء لغويا وأخلاقيا لتبرير سياسات الضغط والعقوبات المحتملة.

 

اختزال الصراع في ثلاث كلمات: “الدفع مقابل القتل”

لا تستمد رواية “الدفع مقابل القتل” قوتها من دقة توصيفها القانوني أو من قدرتها على شرح الواقع، بل من الحمولة الأخلاقية الكثيفة التي تحملها في صياغتها اللغوية. فالمصطلح لا يعمل كأداة تفسير، بل كأداة حكم؛ إذ أنه يطلق استنتاجا أخلاقيا مكتملا قبل عرض الوقائع، ويضع المتلقي أمام نتيجة جاهزة لا تترك مجالا للتساؤل أو التفكيك. وبمجرد أن يطرح ملف مخصصات الأسرى تحت هذا العنوان، تغلق تلقائيا سلسلة من الأسئلة الأساسية التي يفترض أن تشكل جوهر أي تناول صحفي أو قانوني: من هو الأسير؟ ما طبيعة التهمة الموجهة إليه؟ كيف جرى اعتقاله؟ وأمام أي منظومة قضائية يتم محاكمته؟

بهذا الإطار المبسط، يعاد اختزال صراع سياسي وتاريخي بالغ التعقيد في معادلة أخلاقية ثنائية لا تحتمل التدرج أو السياق: فلسطيني يقتل، وسلطة تكافئ. هذه الصيغة لا تترك حيزا لبحث بنية الاحتلال نفسها، ولا لطبيعة النظام القضائي العسكري الذي يحاكم الفلسطينيين، ولا لواقع الاعتقال الإداري الذي يسمح باحتجاز آلاف الفلسطينيين دون تهم أو محاكمات. فالمسألة، وفق هذا الخطاب، لا تحتاج إلى تفسير أو تحليل، لأن الحكم قد صدر سلفا.

وتعزز التغطية الإعلامية السائدة هذا الاختزال عبر فصل مخصصات الأسرى عن الواقع الأوسع لمنظومة الاعتقال. اذ انه من النادر أن تتوقف التقارير عند حقيقة أن آلاف الفلسطينيين يتم اعتقالهم سنويا في الضفة الغربية والقدس، أو أن الغالبية الساحقة منهم تحاكم أمام محاكم عسكرية تصل نسب الإدانة فيها إلى أكثر من 95%. كما يغيب في الغالب ذكر آلاف أوامر الاعتقال الإداري التي تصدرها إسرائيل سنويا دون توجيه تهم أو إجراء محاكمات، في انتهاك واضح لمعايير العدالة المتعارف عليها دوليا.

تشير بيانات مؤسسات شؤون الأسرى إلى تصاعد حاد في حملات الاعتقال الإسرائيلية بحق الفلسطينيين منذ 7 اكتوبر 2023، حيث يقدر عدد المعتقلين في الضفة الغربية بما فيها القدس بما بين 10 آلاف و12,100 معتقل، فيما تفيد تقديرات أشمل بأن العدد الإجمالي للمعتقلين من الضفة وغزة والقدس قد تجاوز 17 ألفا. وتكشف المعطيات أن الاعتقالات طالت فئات مجتمعية واسعة، من بينها أكثر من 635 طفلا ونحو 300 امرأة في الضفة الغربية، إضافة إلى عشرات الصحفيين، لا يزال قرابة 50 منهم قيد الاحتجاز، إلى جانب تصاعد غير مسبوق في الاعتقال الإداري مع إصدار أكثر من 10 آلاف أمر احتجاز دون تهم أو محاكمات.

وفي موازاة ذلك، كانت نحو 35–40 ألف عائلة فلسطينية تتلقى مخصصات من صناديق الأسرى والشهداء، من بينها قرابة 13 ألف عائلة أسرى، ما يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الواسعة لسياسات الاعتقال التي تقوم بها إسرائيل وتداعياتها المستمرة على المجتمع الفلسطيني.

وبهذا الفصل المتعمد بين المخصصات وسياقها، يتراجع الاحتلال إلى مجرد خلفية صامتة، لا تناقش ولا تتم مساءلتها، بينما يقدم الفلسطيني كفاعل عنف مستقل، منفصل عن أي بنية سياسية أو قانونية تحكم حياته اليومية. وفي هذا المشهد المعاد تركيبه، لا يعود الاعتقال نتيجة لمنظومة قهر وسيطرة، بل فعل فردي مجرد، يسهل إدانته أخلاقيا، ويبرر مسبقا كل ما يبنى عليه من سياسات ضغط وعقوبات.

 

التعميم كأداة: الجميع “ارهابيون”

في قلب الخطاب الإعلامي والسياسي السائد حول مخصصات الأسرى، تعمل آلية التعميم بوصفها إحدى أكثر الأدوات فاعلية في إعادة تشكيل الصورة العامة. ففي هذا السياق، تؤخذ حالات محدودة من العمليات المسلحة، ويتم اسقاطها بصورة منهجية على مجمل الأسرى الفلسطينيين، دون أي تمييز بين فئات شديدة التباين من حيث الوضع القانوني والإنساني. فالمقاتل المسلح يساوى بالناشط السياسي، والقاصر الذي أدين برشق الحجارة يدرج في الخانة نفسها مع المعتقل الإداري المحتجز دون تهمة، كما تمحى الفوارق بين الرجال والنساء، وبين من خضع لمحاكمة ومن لم يعرض أصلا على القضاء. والنتيجة هي تصنيف جماعي واحد يختزل في توصيف جاهز: “إرهابيون”.

هذا التعميم لا يلغي فقط الفروق القانونية بين الحالات المختلفة، بل يفرغ القضية من بعدها الاجتماعي والحقوقي، ويعيد إنتاجها كملف أمني صرف. وبهذا التحويل، تختفي الأسئلة المتعلقة بظروف الاعتقال، ونوعية المحاكمات، ومعايير العدالة، ليحل محلها خطاب أمني مبسط لا يعترف إلا بفئة واحدة وباتهام واحد. وفي هذا الإطار، لا يعود الأسير فردا له وضع قانوني محدد، بل رقما ضمن سردية جماعية مدانة سلفا.

وتنعكس هذه المقاربة مباشرة على طريقة طرح الأسئلة في الفضاء العام. فبدل أن يكون السؤال الطبيعي هو: كيف تعيش عائلة فقدت معيلها؟ وما مصير أطفال انقطع مصدر دخلهم الوحيد؟. يعاد توجيه النقاش نحو سؤال اتهامي موجه للسلطة الفلسطينية: لماذا تكافئون القتلة؟. هذا التحول اللغوي لا يغير فقط زاوية التغطية، بل يعيد تعريف جوهر القضية، ناقلا إياها من حيز المعاناة الإنسانية إلى خانة الإدانة السياسية.

في المقابل، تؤكد السلطة الفلسطينية أن مخصصات الأسرى تندرج ضمن برامج الرعاية الاجتماعية، وتصرف وفق معايير الحاجة والفقر، بوصفها شبكة أمان لعائلات تضررت بفعل الاعتقال أو الاستشهاد في ظل اقتصاد هش ومعدلات بطالة مرتفعة. وتقول السلطة إن هذه السياسة لا تقوم على تصنيف سياسي أو أمني للمستفيدين، بل على واقع اجتماعي يفرض نفسه في ظل غياب بدائل حقيقية للإعالة.

غير أن الرواية المقابلة تتجاوز هذا التفسير، إذ تفترض وجود حافز أيديولوجي كامن خلف هذه المدفوعات، من دون تقديم دليل تشغيلي مباشر يثبت علاقة سببية واضحة بين الفعل المنسوب والدعم المالي. وفي هذا التأويل، يتم اختزال التزامن الزمني بين الحدث وصرف المخصصات ليصبح قرينة اتهام بحد ذاته، ويتم التعامل مع الدعم الاجتماعي كما لو كان مكافأة سياسية.

بهذه الآلية الخطابية، تنتقل الإعانة من خانة الحماية الاجتماعية إلى خانة التحريض المزعوم، دون المرور بأي فحص قانوني أو تدقيق موضوعي. ويصبح الاتهام قائما بذاته، مكتفيا بالتصنيف والتعميم، في حين تستبعد الوقائع المعقدة التي تكشف هشاشة هذا الربط، وبالتالي يتم تهميش الأسئلة التي قد تعيد الاعتبار للبعد الإنساني والاجتماعي للقضية.

 

ازدواجية المعايير: لماذا الحالة الفلسطينية مختلفة

تظهر مقارنة الخطاب الدولي حول مخصصات الأسرى الفلسطينيين بنماذج أخرى في نزاعات مسلحة حول العالم حجم الازدواجية الكامنة في هذا الملف. ففي حالات عديدة، تعامل سياسات دعم عائلات القتلى والمعتقلين بوصفها التزاما اجتماعيا أو إنسانيا يندرج ضمن مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها في أوقات الصراع. ولا تقدم هذه السياسات، في تلك السياقات، باعتبارها تشجيعا على العنف أو مكافأة عليه، بل كإجراء يهدف إلى الحد من الانهيار الاجتماعي الناتج عن فقدان المعيل أو الاعتقال الطويل.

على النقيض من ذلك، تعاد صياغة الحالة الفلسطينية ضمن إطار مختلف كليا. فكل أشكال الدعم الاجتماعي المرتبطة بالأسرى والشهداء تدرج تلقائيا تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، في استثناء يكشف طابعه السياسي أكثر مما يستند إلى منطق قانوني ثابت. هذا الاختلاف في المعالجة لا يقوم على معايير دولية موحدة، بل على سياق سياسي خاص يتم فيه فرض مقاييس مغايرة، تجرد السياسة الاجتماعية من مضمونها الإنساني، وتحملها دلالات أمنية مسبقة.

ويزداد هذا التناقض وضوحا حين يقرأ توقيت تصاعد هذا الخطاب. ففي الغالب، يتزامن تضخيم ملف مخصصات الأسرى والشهداء مع محطات سياسية حساسة، مثل النقاشات حول الاعتراف بدولة فلسطين، أو إطلاق مبادرات لإعادة إعمار غزة، أو البحث في مستقبل الترتيبات السياسية بعد الحروب. وفي هذه اللحظات، يتحول الملف من قضية اجتماعية إلى أداة تعطيل سياسي، تستدعى لإعادة ضبط حدود المقبول دوليا، ولإرسال رسائل واضحة حول الشروط المفروضة على أي تقدم سياسي محتمل.

غير أن الأثر الأعمق لهذا المسار لا ينعكس في الأرقام أو الإجراءات وحدها، بل في نتائجه الاستراتيجية بعيدة المدى. إذ أن ترسيخ هذه الرواية يسهم في نزع الشرعية عن الفاعل الفلسطيني بوصفه طرفا سياسيا له حقوق معترف بها، ويؤدي تدريجيا إلى تآكل التعاطف الإنساني الدولي مع معاناة الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، تعاد هندسة فهم الصراع نفسه، لينتقل من كونه قضية احتلال طويل الأمد وحقوق وطنية مسلوبة، إلى ملف أمني إداري تدار تفاصيله بلغة الشروط والعقوبات.

وفي هذا الإطار المعاد تشكيله، تختفي علاقات القوة غير المتكافئة التي تحكم الواقع على الأرض، ويتراجع الحديث عن الاحتلال بوصفه بنية سياسية وقانونية شاملة. وبدلا من ذلك، يتم تحميل  المسؤولية إلى الفرد الفلسطيني، الذي يتم تقديمه باعتباره أصل المشكلة ومصدر التوتر، وليس نتاج منظومة احتلال قسرية تحكم حياته اليومية. وبهذا التحويل، لا يعاد تعريف السياسات فحسب، بل يتم اعادة تعريف الفاعل نفسه، ضمن سردية تغلق الباب أمام أي مقاربة عادلة أو شاملة للصراع.

 

الخاتمة:

في المحصلة، لا يمكن قراءة الاتهامات الموجهة إلى السلطة الفلسطينية بـ”تشجيع الإرهاب” خارج سياقه السياسي المصنع، والذي لا يستند إلى تعريف قانوني دقيق ولا إلى وقائع مثبتة، بقدر ما يقوم على إعادة هندسة لغوية وأخلاقية للصراع تخدم أهدافا إسرائيلية واضحة. إن مصطلحات مثل “الدفع مقابل القتل” لم تنشأ بوصفها توصيفات محايدة، بل كأدوات دعائية جرى تمريرها تدريجيا في الخطاب الغربي لنزع الشرعية عن أي سياسة رعاية اجتماعية فلسطينية، وتحويل ضحايا منظومة الاحتلال والاعتقال إلى موضع اتهام جماعي. وبهذا المعنى، لا يعكس الهجوم على مخصصات الأسرى نقاشا جديا حول الشفافية أو الإصلاح، بل محاولة منهجية لتجريم الرواية الفلسطينية نفسها، وفصلها عن سياق الاحتلال بوصفه السبب البنيوي للعنف والمعاناة.

ويتجاوز الهدف من هذا الخطاب حدود الضغط المالي أو السياسي الآني، ليصل إلى إعادة رسم أفق الصراع بالكامل، في توقيت يتسم بحساسية استثنائية بعد موجة الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين. فإسرائيل، عبر شيطنة السلطة الفلسطينية ووصمها بالإرهاب، تسعى إلى قطع الطريق على أي مسار سياسي قد يفضي إلى تكريس الكيانية الفلسطينية، وإلى التأثير المباشر على دوائر القرار الأمريكية، ولا سيما على الرئيس دونالد ترامب، لمنع إعادة تموضع السلطة كلاعب محتمل في قطاع غزة أو في ترتيبات ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، لا يعود ملف مخصصات الأسرى مسألة مالية أو إدارية، بل يتحول إلى أداة استراتيجية لإقصاء الفلسطيني عن حقه في تقرير مصيره، وإبقاء القضية الفلسطينية أسيرة تعريف أمني ضيق، يغلق الباب أمام الدولة، ويبقي الاحتلال خارج دائرة المساءلة.