لم تعد المشكلة الفلسطينية تكمن في نقص التشخيص أو غياب التحذيرات.
فعلى امتداد عقود طويلة، كتب المفكرون والباحثون والسياسيون الفلسطينيون آلاف الصفحات التي حذرت من مخاطر الانقسام، وتآكل الشرعية، وتراجع دور المؤسسات الوطنية، وانحسار المشروع الوطني الجامع لصالح واقع سياسي مأزوم ومثقل بالأزمات.
لكن الأزمة الحقيقية لم تكن يومًا في غياب الرؤية، بل في غياب القدرة على تحويل الرؤية إلى فعل، والفكرة إلى مؤسسة، والنقد إلى برنامج وطني للتغيير.
لقد تراكمت التحذيرات، بينما بقي الواقع يعيد إنتاج نفسه. وتوالت المؤتمرات والحوارات والمبادرات، فيما استمرت حالة الجمود السياسي والتنظيمي في التمدد داخل البنية الوطنية الفلسطينية.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا:
كيف تستعيد الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها؟
ليس المقصود استعادة الماضي أو اجترار التجارب السابقة، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والشعوب لا تبني مستقبلها بالحنين وحده.
المطلوب هو استعادة الروح التي صنعت الحركة الوطنية الفلسطينية بوصفها حركة تحرر وطني جامعة، استطاعت أن توحد الفلسطينيين حول هدف الحرية والاستقلال، وأن تجعل من منظمة التحرير الفلسطينية عنوانًا للهوية الوطنية والكفاح السياسي.
لقد كشفت السنوات الأخيرة حجم الخلل المتراكم في النظام السياسي الفلسطيني، كما كشفت حجم الحاجة إلى مراجعة وطنية شجاعة تعيد الاعتبار للشراكة السياسية، وللمؤسسات التمثيلية، ولحق الأجيال الجديدة في المشاركة وصناعة القرار.
إن تجديد الحركة الوطنية لا يعني هدم مؤسساتها، بل إصلاحها. ولا يعني تجاوز الشرعية الوطنية، بل تعزيزها. ولا يعني البحث عن بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل إعادة بنائها وتفعيل دورها واستعادة مكانتها بوصفها الممثل الشرعي والجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يقتصر على مواجهة الاحتلال ومخططاته، رغم خطورة ذلك وأولويته المطلقة، بل يشمل أيضًا مواجهة حالة التآكل الداخلي التي أصابت البنية الوطنية وأضعفت قدرتها على المبادرة والتجدد.
فلا مشروع وطني قادر على الانتصار دون وحدة وطنية حقيقية، ولا وحدة وطنية بلا شراكة، ولا شراكة بلا مؤسسات حية وفاعلة وقادرة على استيعاب جميع مكونات الشعب الفلسطيني.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب لا تُهزم فقط بفعل قوة أعدائها، بل قد تُهزم عندما تعجز عن تجديد أدواتها وآليات عملها وقياداتها ومؤسساتها.
ومن هنا فإن المعركة الفلسطينية المقبلة ليست معركة على السلطة أو المواقع أو النفوذ، بل معركة على المستقبل نفسه؛ معركة من أجل استعادة الثقة الوطنية، واستعادة دور الشعب في صناعة القرار، واستعادة العلاقة بين المشروع الوطني ومؤسساته، واستعادة قدرة الفلسطينيين على إنتاج رؤية جامعة تتجاوز الانقسام والاستقطاب والشلل السياسي.
لقد أعادت التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني، وخاصة في غزة، القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي. غير أن هذه التضحيات تحتاج إلى إطار وطني جامع قادر على تحويل الصمود إلى إنجاز سياسي، وتحويل التضحيات إلى مكاسب وطنية، وتحويل الحضور الدولي المتجدد للقضية إلى مشروع تحرري متكامل.
إن المهمة المطروحة اليوم ليست كتابة بيان جديد، ولا إصدار وثيقة إضافية، ولا إضافة ورقة أخرى إلى أرشيف التحذيرات.
المهمة الحقيقية هي إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس المشاركة والشفافية والمساءلة وتجديد الشرعيات، وربط الداخل بالشتات، وإطلاق طاقات الشباب والمرأة والمثقفين والنقابيين وكل القوى الحية في المجتمع الفلسطيني.
فالحركات الوطنية العظيمة لا تموت عندما تتعرض للأزمات، بل تموت فقط عندما تفقد القدرة على مراجعة نفسها وتجديد ذاتها. أما حين تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها، والإرادة لإصلاحها، فإنها تستعيد قوتها وتواصل مسيرتها نحو أهدافها الكبرى.
إن الغاية من هذا النقاش ليست تسجيل المواقف أو توزيع الاتهامات، بل الإسهام في حوار وطني مسؤول حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها. وإذا كان الاحتلال يسعى إلى تفكيك الإرادة الوطنية الفلسطينية، فإن مسؤوليتنا الجماعية تقتضي العمل على تجديد هذه الإرادة وتعزيز وحدتها وقدرتها على الفعل.
ولعل هذا المقال يجد صداه لدى المهتمين بالشأن الوطني الفلسطيني، ويفتح بابًا إضافيًا للحوار حول سبل استعادة المشروع الوطني الجامع، بما ينسجم مع تضحيات شعبنا وآمال أجياله القادمة في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل الفلسطينيين:
هل نكتفي بوصف الأزمة؟
أم نمتلك الجرأة الكافية للشروع في إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بما يليق بتضحيات شعبنا ومستقبل أجيالنا القادمة؟
ذلك هو التحدي…
وذلك هو الطريق.
د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
30/5/2026 م






