عصري فياض
خرج قبل أسابيع من سجن النقب بعد خمس سنوات من الاعتقال المتواصل،كانت في معظمها ما بعد السابع من أكتوبر، فقد عاش المرحلتين ما قرب السابع وما بعد السابع وما شهدته سجون الاحتلال والمعتقلات من ممارسات بطش وتنكيل وتعذيب ممنهجة وغير مسبوقة أدت لغاية الان لارتقاء اكثر من ثمانين شهيدا وما زالت تلك الممارسات مستمرة لغاية الان…
اللافت في حديث هذا الأسير وباقي الاسرى الذين يحرروا من السجون والمعتقلات الإسرائيلية والذين تتمكن الذاكرة عندهم في وصف ما يجري داخل هذه السجون وسردها ضئيل نسبيا، ربما لشدة وطئه ما تعرضوا ويتعرضون له من جهة وخوف البعض منهم لان يعديهم الحديث للإعلام الى السجن او المسائلة،ومن جهة أخرى ربما ذلك الوصف الدقيق والمعاش يصعب على البعض من المتلقين تصديقه من هوله ومن عظم الفعل التنكيلي الممارس ضدهم،ولكنك تسرق الأسير المحرر الى ممارسة حياتهم اليومية وكيف يقضون وقتهم لتعرف من خلالها جانب من حالهم القاسي…
يقول لك ذلك الأسير الشاب أن كل شيء قد تم سحبه منهم التلفاز والمذياع والألعاب على قلتها حتى الفراش يسحب صباحا ويعاد في المساء،حتى الاغطية التي كانت سحبت واستبدلت بأغطية قذرة خفيفة أدت فيما أدت الى ظهور الامراض الجلدية المعدية، وهي لا تتعدى بطانية رقيقة او بطانيتين صيفا وشتاء على ابعد تقدير…
لكن اللافت في الابتداع الذي يبتكره الاسرى سرا وبعيدا عن عيون السجان في خلق العاب لقضاء الوقت والتسلية على نمطق العاب النرد والزهر والشطرنج…
يقول الأسير،هناك ميول للعبة الشطرنج عند بعض الاسرى كونها رياضة ذهنية تحتاج للتركز وتنشيط العقل وهي تحتاج لوقت طويل الى حد ما،ولما سبحت هذه اللعبة من قبل السجان،قام الاسرى بإعادة تشكيل هذه اللعبة وفق المتاح القليل والنادر والفريد من الموجودات،فمثلا رقعة الشطرنج ومربعاتها يتم رسمها ببقايا الصابون الابيض على قميص “الشاباص” البني،اما احجار الشطرنج من ملك ووزير وفيل وقلاع وجنود،فإنها تصنع من فتات عجين الخبر او فتات محارم التواليت أو مزجهما معا،وهكذا تنتج لعبة شطرنج تسلي أوقات الاسرى القاسية.
اما لعبة النرد “الشدة” ،فإن اورقها يتم تصنيعها من كرتون أوراق التواليت حيث تقسم الى احجام متساوية وتجمع وتكبس حتى تستقيم ثم يكتب عليها الأرقام والاشكال،ثم يتم اللعب بها وكأنها لعبة نرد حقيقية وبكافة اشكال اللعبة المختلفة
حتى لعبة الزهر ” الشيش بيش” يتم صناعة وتخطيط مساحة واشكال اللعبة على قميص “الشاباص “ا ببقايا الصبون الأبيض، ومن ثمة تصنع احجار “الشيش بيش” من ورق التواليت الممزوج بمسحوق معجون الاسنان حتى يجف ويصلب ثم يغمس نصفه ـ أي نصف الاعداد ــ في بقايا الشاي ليأخذ لونا مختلفا،ويترك العدد الاخر فيترك بلونه الأبيض للتمييز، اما حجري النرد
” الزهر” فتتم صناعته من خلال استخدام اغطية مسحوق معجون الاسنان التي يثبت عليها ازرار القمصان وتنتحت حتى تصبح مربعة الى حد كبير،وتحفر عليها الأرقام على جوانبها الست.
إن ابداع الاسرى الفلسطينيين ليس جديدا،فقد ترافق مع مسيرة تاريخ الاسرى في السجون منذ الأسير الأول المرحوم محمود بكر حجازي مرورا بكل العقود السبعة الى زماننا هذا،وكان في كل المراحل يتغلب على السجان في معظم الغايات والاحتياجات التي كان يحرم منها وهو بأمس الحاجة اليها،فعلى سبيل المثال لا الحصر،عندما كانوا ينقولون الرسائل بين الأقسام او خارج السجن يجعلون الرسالة في حجم كبسولة الدواء، يبلعونها وتنتقل في بطونهم من قسم الى اخر ومن سجن الى آخر وحتى الى خارج السجن،وعندما كانوا يريدون نقل جهاز المذياع صغير من قسم الى آخر او من سجن الى آخر كانوا يحشون قطعه المفككة في علب القهوة بفتحة صغيرة من الجانب، ويلصقون حولها الشريط الدعائي للسلعة وعندما يفتشها السجان من الامام ويرى الغطاء السلفري الشفاء غير ممزق يدرك ان هذه العلبة مغلقة من المصنع، وبعد ان تصل جهتها يتم تجميعها، حتى الجولات الصغيرة التي لا يتعدى حجمها حجم ابهام اليد كانت تنقل في شعر الذقن الطويلة بعد ان يجدل حولها بعض الشعر لتتماسك،او تدس في نعل الأحذية وغيرها من الوسائل والأساليب التي تعتمد على الابداع والذكاء والفطنة وقبل كل شيء الارداة التي خذلت السجان ولم تخذل الأسير والمعتقل.