لا يمكن اعتبار زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى سلطنة عُمان حدثًا عابرًا في سياق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بل تمثل نقطة تحوّل نوعية في مسار التفاوض، وتكشف عن انتقاله من مرحلة جسّ النبض إلى مرحلة اختبار القرارات الكبرى.
لاريجاني هو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الجهة الأعلى المسؤولة مباشرة عن إدارة الملف النووي وصياغة استراتيجياته، ما يعني أن أي قرار مرتبط بهذا الملف لا يمكن أن يصدر خارج إطار هذا المجلس. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن وزارة الخارجية الإيرانية تتولى إدارة المفاوضات تقنيًا، لكنها تعمل تحت إشراف المجلس الأعلى، ولا تملك صلاحية اتخاذ أي قرار جوهري أو تعديل في المسار التفاوضي دون موافقته.
وتزداد أهمية الزيارة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن لاريجاني يشغل أيضًا منصب مستشار الشؤون الاستراتيجية لقائد الثورة الإسلامية، الإمام السيد علي خامنئي، صاحب القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية. وعليه، فإن انتقاله شخصيًا إلى عُمان وقطر يعني أن طهران اختارت إرسال مبعوث من مستوى القرار، لا ناقل رسائل، وقادر على الحسم أو تثبيت المواقف النهائية.
وتشير المعلومات إلى أن زيارة لاريجاني إلى سلطنة عُمان جاءت بطلب أمريكي، نقله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سلطان عُمان هيثم بن طارق، بهدف الحصول على إجابات إيرانية واضحة ومحددة بشأن مستقبل المفاوضات، قبل اللقاء المرتقب بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد أكد الإعلام الإيراني الرسمي أن الزيارة تهدف إلى «تقديم الرد الإيراني على الجولة الأخيرة من المفاوضات».
إذا ما صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس استعجالًا أمريكيًا واضحًا، وتحديدًا من جانب ترامب، الذي يبدو حريصًا على بلورة صورة تفاوضية متقدمة قبل لقائه نتنياهو، المعروف بسعيه الدائم إلى إفشال أي اتفاق نووي مع إيران، والدفع نحو خيار المواجهة العسكرية. ويُرجَّح أن ترامب بات أكثر اقتناعًا بأن أي عمل عسكري ضد إيران لن يكون محدود النتائج، بل قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يخلخل التوازنات القائمة لمصلحة طهران، ويفتح الباب أمام تدخل قوى دولية كبرى، كروسيا والصين، ما يحوّل أي مواجهة إلى صراع مفتوح يصعب التحكم بمآلاته.
أما زيارة لاريجاني إلى قطر، فتأتي في سياق مكمّل، نظرًا للدور المحوري الذي لعبته الدوحة في تهيئة الإطار التفاوضي، بدعم من دول إقليمية. فقد أسهمت قطر في بلورة شروط انطلاق المفاوضات بما يتوافق مع الرؤية الإيرانية، ولا سيما اشتراط طهران أن تكون المفاوضات غير مباشرة، وأن يقتصر البحث فيها حصريًا على البرنامج النووي دون التطرق إلى أي ملفات أخرى.
وفي هذا الإطار، كان رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، قد زار طهران قبل أيام من انطلاق المفاوضات، حاملاً رسالة أمريكية تتضمن القبول بالشروط الإيرانية، أي إجراء مفاوضات غير مباشرة وحصرها بالبرنامج النووي فقط، وهو ما دفع إيران إلى إعطاء موافقتها على بدء المسار التفاوضي.
وتحمل زيارة لاريجاني إلى الدوحة تقييم إيران لنتائج الجولة الأولى من المفاوضات، وتحديد نقاط التقدم، وكذلك العقد التي لا تزال تعيق الوصول إلى اتفاق. كما تهدف الزيارة إلى تثبيت سقف التفاوض الإيراني ومنع أي محاولة لاحقة لتوسيع جدول الأعمال.
وبحسب المعلومات، فإن قطر، في حال أُنجز اتفاق نووي قائم على مبدأ «خطوة مقابل خطوة»، وخصوصًا في ما يتعلق برفع العقوبات عن إيران، قد تسعى إلى طرح مقاربة تمهيدية لملف البرنامج الصاروخي الإيراني. غير أن طهران تعتبر هذا الملف خطًا أحمر غير قابل للتفاوض، وترفض من حيث المبدأ إدراجه ضمن أي مسار تفاوضي، سواء مباشر أو غير مباشر، مؤكدة أن قدراتها الصاروخية تدخل ضمن إطار الدفاع الوطني ولا يمكن إخضاعها لأي قيود أو نقاش.
وفي أفضل الأحوال، قد يُطرح – من وجهة نظر بعض الوسطاء – تصور غير ملزم يقوم على تعهّد سياسي بعدم استخدام ايران قدراتها الصاروخية ضد الولايات المتحدة أو الكيان الإسرائيلي، ما لم تتعرض إيران لعدوان مباشر، وفي هذه الحالة يكون لها حق الرد . وهي صيغة سبق لروسيا أن طرحتها كضمانة استقرار لا كجزء من اتفاق ملزم، إلا أن إيران لا تزال تتعامل مع هذا الطرح بحذر شديد لا بل انها لم تناقشه ربما بانتظار ما ستتبلور عنه المفاوضات من نتائج.
ومع ذلك، فإن التعقيدات لا تتوقف هنا. إذ تواصل واشنطن محاولاتها توسيع سلّة المطالب لتشمل الدور الإقليمي لإيران، وبرنامجها الفضائي، ولا سيما الأقمار الصناعية، بذريعة ارتباطها بتطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وقد تداولت بعض وسائل الإعلام غير الرسمية معلومات عن قيام إيران بتجربة صاروخ عابر للقارات بمدى يصل إلى 10 آلاف كيلومتر، وهو ما تعتبره طهران جزءًا من حرب نفسية وإعلامية تهدف إلى رفع سقف الضغوط قبل أي اتفاق محتمل.
في المحصلة، تبدو المفاوضات وقد دخلت فعلًا مسار الحسم السياسي:
الولايات المتحدة تبحث عن إنجاز سياسي سريع ومضبوط، فيما تسعى إيران إلى اتفاق واضح السقف، يضمن رفع العقوبات دون المساس بثوابتها الاستراتيجية.
وبين الطرفين، تلعب عُمان وقطر دور صمّام الأمان لمنع انهيار المسار، بانتظار ما إذا كانت الإرادة السياسية قادرة على تجاوز عقد الشروط المتبادلة.









