د. عدنان عويّد
مساء صيفي فراتي يغطي المدينة بعباءة سحرية… السماء صافية … بعض غيوم صغيرة بيضاء ذات أشكال وحواف غير منتظمة, تعبث بها رياح خفيفة لتشكل منها في كل لحظة أشكالاً غالباً ما يحدد دلالاتها الناظر إليها وفقاً لحالته النفسية…نجوم مشعة انتشرت في قبة السماء كأنها ثريا, ما يزيد من ألقها وجمالها اكتمال القمر الذي اتخذ من قبة السماء مركزاً له وراح يمدها بشحنة نور إضافية انعكست بهاءً على السماء والأرض معاً.
وحدها “إيلاف” كانت في الحديقة جالسة على مقعد هزاز تدفع مقدمته بضغط قدميها السابلتين حتى نهايته, وبضغط كفيها أيضاً الممسكتين بمقدمة ساعدي الكرسي, حيث كان الكرسي يتحرك بها نحو الأمام والخلف وكأنها في مرجوحة… دفعت برأسها قليلاً إلى الوراء حتى لا مس مسند الكرسي الخلفي, بينما عيناها كانتا تجولان دون استقرار في أجواء حديقة منزلها التي ساهمت كثيراً في تنسيقها وزراعة ورودها وأشجار فاكهتها, فعلى اليسار منها اصطفت أشجار من البرتقال والليمون محاذية لسياج الحديقة من جهة الشارع الرئيس الذي تطل عليه هذه الحديقة, وعلى يمينها وخلفها حيث تقع غرف المنزل, انتظمت مجموعة أشجار من الورود على ارتفاعات مختلفة, راح بعضها يلامس نوافذ الغرف المطلة على الحديقة, أما في وسط الحديقة حيث كانت تجلس إيلاف, فقد اصطفت عدّة شجيرات من الورد الجوري والقرنفل والياسمين, أحاطت تماماً بالمكان, عدا ممر صغير شكل مدخلاً له, تعلوها شجرة مجنونة بلون بنفسجي من الجهة اليمنى, تقابلها من الجهة اليسرى للمكان عنبة عرشت فروعهما على أعمدت وضعت خصيصاً لهذا الغرض, حيث شكلت هذه الفروع بمجموع تآلفها قبة جميلة, أضفى عليها جمالاً إضافياً وجود بحرة صغيرة تتوسطها نافورة مياه يندلق منها الماء على شكل بركان خفيف اختلطت مياهها بإنارة قوس قزح خافته راحت تتغير ألوانه بالتناوب وتنعكس بهدوء وروعة على مساحات المكان… نسمات باردة رطبة وندية تشبعت بعبق الورود ورطوبة حرارة الصيف كانت تلف أجواء الحديقة بكاملها, وتنساب بغنج ورفق وحنان تداعب وجه إيلاف بتقاسيمه الجميلة المتناسقة, وتنفث في روحها شعوراً بحب الحياة وهي تنتظر قدوم زائرها الذي طالما تلهفت للقائه .
على الموعد تماماً … الساعة الثامنة مساءً, دق جرس المنزل. نهضت إيلاف مسرعة باتجاه الباب … كان هو… “ربيع”..استقبلته بحرارة. أغلقت الباب برشاقة وهدوء بعد دخوله, وسارت أمامه بخطى وئيدة باتجاه البحرة, حيث كان هناك إضافة إلى الكرسي الهزاز, كنبة تتسع لأكثر من شخص, وكرسيان من البلاستيك, لكل منهما مسندان, تقابلا على طرفي البحرة . خيرته بالجلوس, فاختار أحد الكراسي البلاستيكية, بينما هي جلست على الكرسي الثاني بمواجهته.. . ارتبكت قليلاً وشعرت بشيء من الرهبة التي رافقها خفقان ووجيب في قلبها أحس به “ربيع” عندما نظر بعينين فاحصتين إلى قسمات وجهها الملائكي المتناسق, محاولاً استقراء تأثير زيارته عليها. لذلك حاول بسرعة إخراجها من حالة ارتباكها فبادرها الحديث قائلاً:
– آمل أن لا تكون زيارتي قد أربكتك, أو حالت دون ما كنت مخططه له من أعمال في هذا الوقت؟ .
ردت عليه بصوت ناعم ملائكي, لم يخلو رنينه الشجي من إربك وتوتر, بعد أن سوت خمارها الذي كشف عن غرة شعرها القمحي الناعم :
– لا على العكس تماماً, لقد أفرغت يومي بكامله لهذه الزيارة الميمونة. لقد سافر أهلي جميعاً إلى بلدنا في الغربة, وبقيت وحيدة بسبب امتحاناتي الجامعية.
– وهل ستبقين هنا بعد انتهاء الامتحان, أم ستلحقين بهم؟ .
– لا طبعاً, سألحق بهم بعد انتهاء الامتحان, وسنقضي في بلدنا العطلة الصيفيّة ونعود سويّة مع افتتاح المدارس في العام الجديد.
أجال بنظره متفحصاً حديقة المنزل, وعاد ينظر في عينيها الخضراوين الناعستين كحلم طفولة, ناشئاً:
– حديقة منزلكم رائعة, من أشرف على تخطيطها أو …. هندستها؟ .
افتر عن ثغرها الجميل المسيج بشفتين ورديتين ممتلئتين ابتسامة خلابة تبين من خلالها بياض مقدمة أسنانها العلويّة الناصعة, في الوقت الذي أسبلت فيه جفنيها المنتهيين بأهداب طويلة كادت أن تلامس مقلتيها وقالت:
– في الحقيقة لقد كان لأبي وأمي دور في الإشراف على ترتيبها, ولكن لا أخفيك سراً – صمتت فترة قصيرة وهي تجوب بنظرها حول الحديقة,- ثم تابعت حديثها لقد ساهمت كثيراً في هندستها, والتفتت مرة أخرى إلى اليمين وأشارت بيدها الغضة الناعمة المنتهية بأصابع عاجية طويلة إلى الورود المجاورة لغرف المنزل, وإلى شجرة المجنونة, وإنارة البحرة , وتابعت كل ذلك أشرفت أنا على زراعته وترتيبه.
ابتسم “ربيع”, وأخذ يبدي إعجابه بذوقها الرفيع , وفجأة, وبينما هو ينظر في عينيها الواسعتين الخلابتين الناعستين, شعر بسحر خاص قد فاض منهما وراح ينفذ إلى أعماق روحه, ليكبل تفكيره وأحاسيسه, ويفقده القدرة على التركيز معها في الحديث, إلا أنه تدارك موقفه وتمالك نفسه, وأخذ يتعوذ من الشيطان في داخله, وسألها دون تفكير للخلاص من تأثير سحرها عليه :
– إحكي لي عن نفسك يا نسمة؟ .
أدهشها سؤاله, وردت بإرباك وخجل:
– عن ماذا تريد أن تحكي نسمة لك؟ .
– أي شيء. أريد أن أتعرف عليك أكثر.
– حسناً. أنا فتاة في الواحدة والعشرين من عمري. وطالبة في كلية الحقوق سنة ثانية كما تعلم. وأنا البنت الكبيرة لأهلي. أتمنى أن أنهي دراستي الجامعية وأكون محامية في المستقبل…
وبينما هي تحكي له عن نفسها كان يتابع بشغف وحس مرهف كل ما تقوله… كان يتابع حركات يديها البضتين الناعمتين, وشفتيها, وبريق عينيها اللتين تشعان بسحر خاص نفاذ.. مثلما كان يتابع وبطرب رنين صوتها الشجي الذي كان مقدمة إعجابه بها, والدخول إلى متاهة عالمها العاجي الساحر.
وقفت فجأة عن متابعة حديثها, وحدقت نحوه باندهاش قائلة:
– إيه .. أين أنت يادكتور؟ . أين سرحت . ؟, يبدو انك رحت لعالم آخر.!.
أفاق ربيع من ذهوله على رنين صوتها, وشخصت عيناه باتجاه عينيها وهو صامت لا حراك فيه, بينما راح يحدث نفسه: ( لا.. لا… أنا هنا معك يا ملاكي.. لم أبرح المكان, ولكن عينيك وسحر صوتك نقلاني إلى عالم الدهشة والجنون !!).
– قلي أين سرحت؟ . – قالت له مبتسمة, وهي تعرف سر شروده وذهوله ولكن أرادت فقط أن تعيده من ذهوله.
– كنت معك صدقيني.
– أعرف أنك كنت معي ولكن أين؟ .
صمت برهة وهو ينظر بتمعن إلى نافورة الماء وألوانها القوس قزحية المتبدلة باستمرار وقال:
– أنت فتاة جميلة لذلك سأسميك نسمة, وطريقة حديثك أو تعبيرك عن نفسك تسحر بالضرورة من يسمع لك. وأنا سُحرت فلا تلوميني!.
أدارت وجهها قليلاً باتجاه اليسار وقد احمرا خديها ووجنتيها خجلاً, وقالت بصوت خافت بعد أن أسبلت جفنيها إلى الأسفل: أنت تبالغ وتريد مجاملتي. قال:
– لا والله لا أجامل.
– طيب ما هو الذي سحرك فيّ؟ .
نظر إلى عينيها من جديد بتمعن وكأنه يقرأ فيهما ما يعتلج في داخلهما من لهفة لسماع ما سيقول, ثم أنشأ:
– أولاً صوتك. .. هل سمعت يوماً صوتك يا نسمة؟ . إن في صوتك حنين أنثوي قدسي, لا يفجر عواطف سامعيه وحسب, بل ويسحرهم أيضاً ليتركهم يعيشون عوالم من متاهات الحب والحنين والرغبة الجامحة في امتلاكك وتحويل ما تشين به إلى لغة حب لكل العاشقين.
ردت على ما قاله بغنج .. الله الله بدأنا نقول الشعر!.
– أنا لا أتكلم بعواطفي يا “نسمة” وإنما أتحدث بما أحس به, وهذه مشكلتي.
– حسناً شكراً لعواطفك يا دكتور, وهذا شعور نبيل أعتز به… على العموم دعنا نشرب شيئا, لقد أخذنا الحديث ونسينا نفسينا..
– قلي الآن ما ذا تشرب؟.
– قهوة وسط إذا سمحت.
ذهبت إلى المنزل ثم عادت بعد فترة وهي تحمل صينية, عليها ركوة قهوة وفنجانان. وضعت فنجانه على سور البحرة أمامه, بينما وضعت الآخر أمامها بعد أن صبت بهما القهوة… دار حديث طويل بينهما عن قضايا الجامعة والمجتمع وعن إخوتها وأخواتها.. نظر إلى ساعته فجأة فوجدها تقارب العاشرة مساءً… التفت إليها قائلاً وفي نفسه أشياء كثيرة يريد قولها لها, لكن الوقت تأخر:
هل تسمح لي آنستي الجميلة بالانصراف؟ .
ردت عليه باستحياء وفي نفسها أن يبقى فترة أطول, لكنها شعرت بأن الوقت تأخر ولا بد له أن يغادر :
– إبق قليلاً.
– لا لقد أخذنا الوقت ولم نشعر به, ويجب أن أغادر, وأعدك أن أكرر الزيارة إذا وافقت.
– على الرحب والسعة, وأنا بانتظار هذه الزيارة. هناك قضايا كثيرة لم نتحدث عنها في هذه الزيارة, لا بد أن نتحدث عنها مستقبلاً
– أكيد سنتحدث كثيراً, وعن أشياء كثيرة, فالحديث معك يا نسمة له سحره وعالمه الآخر.
ضحكت , من كل قلبها بصوت منخفض, وهي تنظر إليه بعينين ساهمتين, نفذ سحرهما من جديد إلى أعماق روحه, فما كان منه إلا أن أمسك يديها بكلتا يديه ورفعهما إلى الأعلى, وراح يقبلهما بشغف وحنان وهو يحس بطراوتهما وندى مساماتهما الشذي… ارتعشت نسمة قليلاً, وتورد خداها الصافيين خجلاً كمرآة ساحرة… أحست بارتخاء أعصابها, وبنشوة لم تقو على إخفائها. كاد أن يفضحها تسارع أنفاسها الذي وصل إلى درجة اللهاث… حاولت سحب يديها من يديه برفق. تمسك بهما قليلاً.. قبلهما ثانية ثم تركهما… راح كلاهما ينظران في عيني بعضهما بشغف… رغبة جامحة من الحب والعاطفة الجياشة كادت أن تخرج إلى السطح, إلا أنهما سارعا سويّة إلى كبتها ودفنها بحزن في أعماقهما …أدار جسمه باتجاه الباب. سار وهو يقول لها بصوت رخو متقطع :
– تصب.. حين… على خير.
سارت وراءه تودعه حتى باب الحديقة, وعند الوداع لم يتمالك نفسه… أمسك رأسها برفق وقبل جبينها ثم عبر الباب مسرعاً إلى الخارج دون أن يلتفت إليها.
في اليوم الثاني انسحبت إيلاف من الامتحان في المادة الأخيرة … بحثت عنه في الجامعة قبل أن تغادرها.. لم تجده.. شاهدها من نافذة قاعة الامتحان المطلة على فضاء الجامعة الخارجي وهي تغادر.. فكر طويلاً في موعده اللاحق معها .. شعر بأن هناك شيئا يشبه صحوة الضمير بدأ يقلقه.. فسأل نفسه ماذا تريد منها ياربيع؟!..هي طالبتك أولاً .. وهي شابة أو طفلة وجدت فيك ملاذا روحياً لها لم تجده في أسرتها, وأنت متزوج ولديك أولاد وفي خريف العمر.. راحت تحركها عواطفها نحوك فلا تستغل عواطفها لنزوة عابرة.. والأهم أنت مؤتمن على طلابك وطالباتك فكيف تخون الأمانة؟ أسئلة كثيرة بدأت تطرح عليه وكأنها شكلت عنده صحوة ضمير, فقرر أخير أن لا يذهب للموعد الذي اتفقا وعليه, بل وسيخرج من عالمها كلياً.