لا تفتحوا الباب ثم تلعنوا الداخلين!

د. فيصل القاسم

هناك وهمٌ يتكرر في كل أزمة: أن قوةً خارجيةً ما ستتدخل بدافع أخلاقي خالص، لإنقاذ شعبٍ أو إعادة بناء دولة. هذا التصور مريح نفسياً، لكنه نادراً ما ينسجم مع طبيعة السياسة الدولية. الدول لا تتحرك كجمعيات خيرية، ولا تُسخِّر جيوشها وأموالها وسمعتها من أجل مبادئ مجردة. هي تتحرك وفق مصالح محددة، وحسابات استراتيجية دقيقة، ورهانات تتعلق بالنفوذ والأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية. وعندما تختار أن تدعم طرفاً في نزاع داخلي، فهي لا تفعل ذلك حباً به، بل لأنها ترى فيه أداةً تخدم موقعها أو تمنع خصمها من التقدم.

هذه ليست قراءة عاطفية أو اتهامية، بل هي توصيف لطبيعة النظام الدولي كما يعمل فعلاً. المصلحة هي المحرك الأول لسلوك الدول، حتى عندما تُغلَّف القرارات بلغة القيم والمبادئ. الخطاب قد يكون أخلاقياً، لكن الحسابات في الغالب باردة وبراغماتية.
عندما ننظر إلى تجارب المنطقة خلال العقود الأخيرة، نجد أن التدخل الخارجي لم يكن حدثاً عابراً، بل أصبح عنصراً بنيوياً في كثير من الصراعات. في العراق بعد 2003، أدى التدخل العسكري إلى إسقاط نظام، لكنه فتح في الوقت نفسه أبواباً واسعة لصراعات داخلية وإقليمية متشابكة ما زالت آثارها مستمرة. في ليبيا، تحوّل التدخل الدولي عام 2011 من عملية محددة الأهداف إلى مسار طويل من الانقسام المؤسسي والصراع المسلح. في اليمن، تداخلت التدخلات الإقليمية مع الانقسام الداخلي، فتعقّد النزاع وتحول إلى أزمة إنسانية عميقة. وفي السودان، أدى الصراع على السلطة إلى فتح المجال أمام تنافس إقليمي ودولي زاد المشهد هشاشة.
المشترك بين هذه الحالات ليس مجرد وجود تدخل خارجي، بل هشاشة داخلية سبقت هذا التدخل ومهدت له. هنا تكمن النقطة التي يتجنبها كثيرون. من السهل إلقاء اللوم كاملاً على “الخارج”، لأن ذلك يعفينا من مواجهة أسئلة أصعب تتعلق بإدارة الدولة، والشرعية، وبناء المؤسسات، والعدالة في توزيع السلطة والثروة. لكن القوى الخارجية لا تستطيع أن تنفذ إلى بلد مستقر يتمتع بمؤسسات قوية وشرعية سياسية متينة بالسهولة نفسها التي تنفذ بها إلى بلد منقسم على ذاته.
الدول التي تتمتع بأنظمة سياسية قادرة على استيعاب التعددية، وإدارة الخلافات بآليات قانونية واضحة، وتداول سلمي للسلطة، تصبح أقل عرضة لأن تتحول إلى ساحات صراع بالوكالة. هذا لا يعني أنها محصنة تماماً من الضغوط الخارجية، لكن الفرق كبير بين ضغط دبلوماسي أو تنافس اقتصادي، وبين تحول البلد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.

المشكلة في كثير من السياقات العربية أن الانقسامات الداخلية لم تُدر بطريقة سياسية رشيدة، بل غالباً ما جرى تأجيجها أو استثمارها. حين يشعر جزء من المجتمع بالإقصاء أو الظلم أو السحق، أو تُغلق أمامه قنوات المشاركة السلمية، أو يُحرم من العدالة، فإنه يبحث عن سند. وهنا يجد الخارج فرصة. ليس لأنه يحب هذا الطرف أو ذاك، بل لأنه يرى في دعمه وسيلة لتعزيز نفوذه. وهكذا يتحول الصراع من خلاف داخلي قابل للحل، إلى عقدة إقليمية معقدة.

حتى القوى التي تتدخل تحت عناوين نبيلة – حماية المدنيين، مكافحة الإرهاب، دعم الديمقراطية – تجد نفسها في نهاية المطاف محكومة بمصالحها. النوايا المعلنة شيء، والنتائج على الأرض شيء آخر. كثيراً ما تتحول العمليات المحدودة إلى انخراط طويل الأمد، وتتحول الشعارات إلى وقائع أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
إذاً، المشكلة ليست فقط في أن الدول الكبرى أو الإقليمية تسعى إلى مصالحها؛ هذا سلوك متوقع في النظام الدولي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح بيئاتنا الداخلية قابلة للاختراق. عندما تتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها، وعندما تغيب العدالة، ويضعف القانون، وتتضخم الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، فإن الباب يُفتح على مصراعيه.
هنا ينبغي أن يتحول السؤال من: “لماذا يتدخل الآخرون؟” إلى: “ما الذي جعل تدخلهم ممكناً ومجدياً؟”. هذا السؤال مؤلم لأنه يعيد المسؤولية إلى الداخل. لكنه أيضاً السؤال الوحيد الذي يقود إلى حل مستدام. فمهما اشتد الصراع الإقليمي أو الدولي، لا يمكن لأي قوة خارجية أن تفرض تأثيراً عميقاً وطويلاً على مجتمع متماسك ومؤسسات فعالة دون أن تجد شريكاً داخلياً أو بيئة منقسمة.
هناك فرصة غالباً ما نغفلها: بناء دولة قانون ومؤسسات ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو أيضاً استراتيجية أمن قومي. العدالة ليست ترفاً، بل وسيلة لتحصين الداخل. المشاركة السياسية ليست مجاملة، بل صمام أمان. كل إصلاح حقيقي في بنية الدولة يقلل من قابلية البلد للتحول إلى ساحة صراع.
قد يكون من المريح أن نرفع شعارات ضد التدخلات الخارجية، لكن هذا وحده لا يكفي. الخطاب السيادي لا يحمي دولة ضعيفة. الذي يحميها هو إدارة رشيدة، وشفافية، ومحاسبة، وعقد اجتماعي يشعر فيه المواطن أن له مكاناً وحقوقاً. عندها فقط تصبح الذرائع الخارجية أقل تأثيراً، ويصبح أي تدخل مكلفاً سياسياً وأخلاقياً.

الخلاصة ليست تبرئة الخارج، ولا شيطنته بشكل مبالغ فيه، بل فهم قواعد اللعبة كما هي. الدول تسعى وراء مصالحها، وستستمر في ذلك. السؤال الذي يجب أن يشغلنا هو: كيف نجعل مصالح الآخرين أقل قدرة على العبث بمصيرنا؟ الجواب يبدأ من الداخل، من طريقة إدارة الدولة، ومن قدرتنا على بناء نظام سياسي عادل وشامل. بدون ذلك، سنبقى ندور في حلقة الاتهام المتبادل، بينما تستمر التدخلات لأننا، ببساطة، لم نغلق الباب جيداً.

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]