جاري التحميل...

لماذا أحب الدكتور رمزي الخوري أبو عمار؟ الكاريزما بين ماكس فيبر وفلسفة التاريخ عند هيغل

استاذ فلسفة وعلم اجتماع
جامعة الجزائر 2

إن العلاقة التي جمعت الدكتور رمزي الخوري بالرئيس الشهيد ياسر عرفات (أبو عمار) لا يمكن اختزالها في إطار العمل السياسي أو الإداري، بل هي علاقة تشكلت في فضاء الثقة والوفاء والإيمان بالمشروع الوطني الفلسطيني. لقد كان الدكتور رمزي الخوري من أقرب الشخصيات إلى أبي عمار، ومن الأمناء على كثير من أسراره الوطنية والسياسية، وهو ما جعل علاقته به تتجاوز حدود الوظيفة إلى علاقة وجدانية وفكرية عميقة.
ولكي نفهم هذه العلاقة، لا بد من التوقف عند شخصية ياسر عرفات نفسها، التي مثلت ظاهرة قيادية استثنائية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. وهنا تقدم لنا نظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر مفتاحاً مهماً لفهم هذه الشخصية، إذ يرى أن السلطة الكاريزمية تقوم على صفات استثنائية ينسبها الناس إلى قائد يستطيع أن يلهمهم، ويقودهم في أوقات الأزمات، ويمنحهم الإحساس بالأمل والمعنى.
لقد جسد أبو عمار هذا النموذج بامتياز. فلم تكن شرعيته مستمدة من القانون أو من مؤسسات الدولة، بل من حضوره الشخصي، ومن قدرته على تجسيد القضية الفلسطينية في شخصه، حتى غدا اسمه مرادفاً لفلسطين في الوعي العالمي. كانت الكوفية، والزي العسكري، وخطابه الشعبي، وإصراره على البقاء مع شعبه في أصعب الظروف، عناصر صنعت تلك الكاريزما التي تحدث عنها فيبر.
ومن هنا نفهم أن محبة الدكتور رمزي الخوري لأبي عمار لم تكن مجرد إعجاب بشخصية قيادية، بل كانت استجابة إنسانية وفكرية لتلك الشرعية الكاريزمية التي استطاعت أن تصنع الولاء والثقة والوفاء.
غير أن تفسير الظاهرة لا يكتمل عند ماكس فيبر وحده. فالفيلسوف الألماني هيغل يقدم مفهوماً آخر هو “الشخصية التاريخية العالمية”، أي ذلك الإنسان الذي يصبح أداةً لتحريك التاريخ وتجسيد روح عصره. فالأفراد العظام، في فلسفة هيغل، ليسوا مجرد قادة، بل هم شخصيات تتجسد فيها إرادة التاريخ، وتدفع المجتمعات إلى الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ياسر عرفات بوصفه شخصية تاريخية أكثر منه مجرد قائد سياسي. فقد استطاع أن يعيد تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة، وأن ينقل الشعب الفلسطيني من حالة الشتات السياسي إلى حالة الحضور الدولي، وأن يجعل من فلسطين قضية حية في الضمير العالمي. لقد كان، وفق القراءة الهيغلية، أحد أولئك القادة الذين تتجسد فيهم إرادة التاريخ، حتى وإن كانت نتائج أفعالهم موضع نقاش واختلاف.
ومن هنا، فإن العلاقة التي ربطت الدكتور رمزي الخوري بأبي عمار يمكن فهمها أيضاً بوصفها علاقة مع شخصية أدرك أنها تؤدي دوراً تاريخياً يتجاوز حدود الفرد. فهو لم ير فيه رئيساً فحسب، بل رأى فيه رمزاً وطنياً، وتجسيداً لإرادة شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال.
لقد جمع ياسر عرفات بين الكاريزما التي تحدث عنها فيبر، وبين الدور التاريخي الذي وصفه هيغل. فهو من جهة استطاع أن يصنع شرعيته من خلال تأثيره المباشر في الجماهير، ومن جهة أخرى أصبح جزءاً من مسار التاريخ الفلسطيني الحديث، بحيث يصعب الحديث عن مرحلة كاملة من النضال الفلسطيني من دون استحضار حضوره.
وهنا يكمن سر المحبة التي حملها له الدكتور رمزي الخوري. فهي ليست محبة تقوم على الاعتبارات الشخصية وحدها، بل على إدراك أن أبا عمار كان ظاهرة سياسية وتاريخية وإنسانية استثنائية، وأن القرب منه كان قرباً من لحظة تاريخية صنعت وجدان الفلسطينيين، ورسخت الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الاقتلاع والإلغاء.
لقد رحل أبو عمار جسداً، لكن الكاريزما التي تحدث عنها ماكس فيبر، والدور التاريخي الذي وصفه هيغل، بقيا حاضرين في الذاكرة الوطنية الفلسطينية. ولذلك بقي وفاء الدكتور رمزي الخوري وفاءً للفكرة قبل الشخص، وللتاريخ قبل اللحظة، وللوطن قبل كل شيء.

بقلم برفسور . صالح الشقباوي أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع المعاصر جامعة الجزائر 2