بقلم: د. صالح الشقباوي
دراسة في فلسفة الدين والتشريع المقارن
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
تُعد العلاقة بين اليهودية والمسيحية والإسلام من أكثر القضايا إثارة للتأمل في فلسفة الدين، لأنها تضع الباحث أمام سؤال جوهري: إذا كان الإله واحدًا، فلماذا اختلفت الشرائع؟ ولماذا جاءت الأحكام متباينة في قضايا تمس حياة الإنسان اليومية، رغم وحدة المصدر الإلهي كما تؤمن به الديانات الإبراهيمية؟
إن هذا السؤال لا يستهدف العقائد، وإنما ينتمي إلى فلسفة الدين وتاريخ التشريع المقارن، حيث يحاول الباحث فهم العلاقة بين الوحي والتاريخ، وبين النص الديني والواقع الاجتماعي الذي نزل فيه.
ترى الديانات الإبراهيمية أن الله واحد، وأن الرسالات جاءت لهداية الإنسان، لكن الباحث يلاحظ أن اليهودية قدمت منظومة تشريعية واسعة لتنظيم حياة جماعة بني إسرائيل، بينما ركزت المسيحية في نشأتها على البعد الروحي والأخلاقي أكثر من تركيزها على بناء منظومة قانونية تفصيلية، ثم جاء الإسلام جامعًا بين العقيدة والعبادة والتشريع والدولة والمجتمع.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: لماذا يبدو الإسلام أقرب في عدد من أحكامه إلى اليهودية منه إلى المسيحية، مع أن المسيحية سبقت الإسلام تاريخيًا؟
يمكن تفسير ذلك من منظور تاريخ الأديان بأن البيئة العربية التي ظهر فيها الإسلام كانت تضم حضورًا يهوديًا مؤثرًا، كما أن المشروع الإسلامي كان يتضمن تأسيس مجتمع ودولة، الأمر الذي استدعى منظومة تشريعية واسعة، وهو ما يجعل بعض أوجه التشابه مع الشريعة اليهودية مفهومًا من الناحية التاريخية. وفي المقابل، تؤكد الرؤية الإسلامية أن القرآن جاء مصدقًا لبعض ما سبقه ومهيمنًا عليه، فأقر بعض الأحكام وعدّل أو نسخ بعضها الآخر، مع احتفاظه باستقلاليته بوصفه وحيًا جديدًا.
ومن أبرز القضايا التي يثيرها الباحثون قضية الإسرائيليات، وهي الروايات المنقولة عن مصادر يهودية ومسيحية التي دخل بعضها إلى كتب التفسير والسير والتاريخ الإسلامي. وقد أثرت هذه الروايات في تفسير بعض القصص القرآني، إلا أن جمهور علماء المسلمين لا يعدها مصدرًا للعقيدة أو لأصول التشريع، بل تعاملوا معها بالقبول أو الرد أو التوقف بحسب موافقتها أو مخالفتها للنصوص الإسلامية.
غير أن سؤالًا آخر يفرض نفسه بقوة، وهو: إذا كان الإله واحدًا، فلماذا حرم الإسلام الخمر والميسر والأزلام تحريمًا صريحًا، بينما لم يأتِ التحريم بالطريقة نفسها في اليهودية والمسيحية؟
في اليهودية، لا يوجد تحريم عام للخمر، بل استُخدم في بعض الشعائر والمناسبات الدينية مع التحذير من الإفراط والسُّكر. وفي كثير من التقاليد المسيحية استُخدم النبيذ رمزًا دينيًا في طقس الإفخارستيا، مع التشديد على رفض السُّكر والانفلات الأخلاقي أكثر من تحريم الخمر ذاته. أما الإسلام فقد انتهى، بعد مرحلة من التدرج، إلى تحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، كما حرم الميسر والأزلام، وربط ذلك بحماية العقل، وصيانة الإرادة الإنسانية، وإبعاد الإنسان عن كل ما يفسد وعيه أو يدفعه إلى التعلق بالحظ أو الكهانة.
ومن هنا يثور سؤال فلسفي أعمق: هل تتغير الأحكام الإلهية بتغير المجتمعات والظروف التاريخية؟ أم أن اختلاف الشرائع يعكس اختلاف الوظيفة الحضارية لكل رسالة؟ وإذا كانت الغاية الأخلاقية واحدة، فلماذا اختلفت الوسائل التشريعية؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى التشكيك في أي دين، وإنما إلى فهم فلسفة التشريع نفسها، وإلى دراسة العلاقة بين المطلق الإلهي والمتغير التاريخي، وبين وحدة الرسالة وتعدد أشكالها القانونية.
إن فلسفة الدين تعلمنا أن النصوص المقدسة لا تُدرس بمعزل عن ظروفها التاريخية، كما أن التشريع لا ينفصل عن المجتمع الذي نزل فيه. ولذلك فإن المقارنة بين الشرائع ليست مقارنة بين حق وباطل، وإنما هي محاولة لفهم تطور الفكر الديني وآليات التشريع عبر التاريخ.
خاتمة
يبقى السؤال مفتوحًا أمام الفلاسفة وعلماء اللاهوت والمؤرخين: هل اختلاف الشرائع دليل على تطور حاجات الإنسان عبر التاريخ، أم أنه يعكس حكمة إلهية اقتضت أن يكون لكل أمة تشريعها المناسب في زمانها ومكانها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تختلف باختلاف المنهج؛ فالمؤمن يراها في إطار الحكمة الإلهية، بينما يدرسها الباحث في إطار التاريخ المقارن للأديان. وبين هذين المنهجين يبقى الحوار العلمي الهادئ هو السبيل لفهم أعمق للعلاقة بين الدين والإنسان والتاريخ.