لماذا الشرق الأوسط في حالة لا إستقرار دائم؟

هناك رواية شائعة في العالم تقول إن الشرق الأوسط منطقة فوضى مزمنة، وأن الولايات المتحدة تدخلت فيها مرارا لمحاولة جلب الاستقرار والديمقراطية، لكنها فشلت بسبب تعقيدات المنطقة وصراعاتها القديمة. هذه الرواية تبدو مريحة أخلاقيا وسياسيا، لكنها لا تصمد كثيرا أمام سؤال بسيط: كيف يمكن لأقوى قوة في تاريخ البشرية، التي هزمت النازية واليابان الإمبراطورية، وأدارت تحالفات عالمية، وقادت ثورات تكنولوجية وعسكرية، أن تفشل لمدة ثمانين عاما متواصلة في منطقة واحدة فقط؟ هل يعقل أن تكون هذه مجرد سلسلة طويلة من الأخطاء وسوء التقدير؟ أم أن ما نراه ليس فشلا، بل سياسة ناجحة تحقق أهدافها بالضبط كما خُطط لها؟
الولايات المتحدة هي بلا شك القوة الأعظم في تاريخ البشرية من حيث القوة العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية. تمتلك قواعد عسكرية في معظم أنحاء العالم، وأقوى أسطول بحري، وأحدث سلاح جوي، وأجهزة استخبارات تعمل في كافة القارات، ونفوذا سياسيا واقتصاديا هائلا. دولة بهذه القدرات لا يمكن أن تكون عاجزة عن تحقيق الاستقرار في منطقة واحدة إذا كان الاستقرار هو الهدف الحقيقي. فالدول الكبرى عندما تريد الاستقرار في منطقة ما، تستطيع فرضه بالقوة أو بالمال أو بالسياسة. لكن ما حدث في الشرق الأوسط خلال ثمانية عقود هو العكس تماما: حروب، انقلابات، صراعات طائفية، انهيار دول، صعود جماعات مسلحة، أزمات نفط، موجات لجوء، سباق تسلح، وتوتر دائم. المنطقة اليوم، بعد كل هذا “التدخل لإصلاحها”، أقل استقرارا مما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي.

أمام هذا الواقع، هناك احتمالان منطقيان فقط: إما أن الولايات المتحدة تعاني من فشل استراتيجي هائل وعجز مزمن في فهم المنطقة ، رغم كل مراكز الأبحاث والجامعات وأجهزة الاستخبارات، أو أن الفوضى ليست نتيجة الفشل، بل هي النتيجة المطلوبة. عندما ننظر إلى النتائج من زاوية المصالح الاقتصادية والعسكرية، تبدأ الصورة بالوضوح أكثر: الفوضى تبرر القواعد العسكرية، الفوضى تبرر صفقات السلاح، الفوضى ترفع أسعار النفط، الفوضى تجعل الدول تعتمد على الحماية الأمريكية، والفوضى تمنع ظهور قوة إقليمية مستقلة قد تتحدى النفوذ الأمريكي.

لفهم جذور هذه السياسة يجب العودة إلى لحظة مفصلية في التاريخ الحديث، وهي الرابع عشر من فبراير عام 1945، عندما كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عائدا من مؤتمر يالطا الذي رسم ملامح العالم بعد الحرب العالمية الثانية. في طريق العودة التقى الملك السعودي عبد العزيز آل سعود على متن المدمرة الأمريكية “يو إس إس كوينسي” في البحيرات المرة في مصر. في ذلك اللقاء تم إبرام صفقة غير مكتوبة، لكنها أصبحت من أهم أسس النظام العالمي الحديث: الولايات المتحدة تضمن أمن المملكة والعائلة المالكة، وفي المقابل يتم تسعير النفط بالدولار الأمريكي حصرا. هذه الصفقة لم تكن مجرد اتفاق نفطي، بل كانت حجر الأساس لنظام اقتصادي عالمي كامل عرف لاحقا باسم نظام “البترودولار”.

النفط هو أهم سلعة استراتيجية في العالم الحديث، فهو الوقود الذي يحرك المصانع والطائرات والسفن والجيوش والاقتصادات كلها. عندما يصبح النفط مسعرا بالدولار فقط، فإن كل دولة في العالم تحتاج إلى الدولار قبل أن تشتري النفط. وهذا يعني أن الطلب العالمي على الدولار يصبح دائما ومستقرا. ولكي تحصل الدول على الدولار، عليها أن تصدر بضائع إلى الولايات المتحدة، أو تستثمر في الأسواق الأمريكية، أو تشتري سندات الخزانة الأمريكية، أي أنها تعيد ضخ أموالها في الاقتصاد الأمريكي. بهذه الطريقة تحول الاقتصاد العالمي إلى ما يشبه المضخة التي تضخ الثروة في الولايات المتحدة باستمرار.

لهذا السبب أصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية، وليس فقط لأن الاقتصاد الأمريكي قوي، بل لأن أمريكا تسيطر على السلعة الأكثر أهمية في العالم: الطاقة. السيطرة على النفط لا تعني فقط السيطرة على الوقود، بل تعني السيطرة على النظام المالي العالمي بأكمله. ومن هنا يصبح الشرق الأوسط، الذي يحتوي على أكبر احتياطيات النفط في العالم، منطقة استراتيجية لا يمكن السماح لها بأن تصبح مستقرة وقوية ومستقلة بشكل كامل، لأن الاستقرار قد يؤدي إلى استقلال القرار السياسي والاقتصادي، وربما إلى التفكير في بيع النفط بعملات أخرى.

وهنا نفهم لماذا واجه أي زعيم في المنطقة حاول كسر هذه القواعد مصيرا سياسيا أو عسكريا قاسيا. المثال الأول كان محمد مصدق في إيران عام 1951، وهو رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا، قرر تأميم النفط الإيراني واستعادته من شركة النفط الأنجلو-إيرانية. لم يكن مصدق شيوعيا ولا عدوا للغرب، لكنه ارتكب خطأ استراتيجيا من وجهة نظر لندن وواشنطن: أراد أن يكون النفط الإيراني للإيرانيين. بعد عامين فقط، نفذت المخابرات الأمريكية والبريطانية عملية انقلاب عُرفت باسم “عملية أجاكس”، تم خلالها تمويل احتجاجات وأعمال شغب وشراء ولاءات ضباط وسياسيين، وانتهى الأمر بإسقاط الحكومة المنتخبة وإعادة الشاه إلى الحكم. الرسالة كانت واضحة: النفط ليس مجرد مورد وطني، بل جزء من نظام عالمي لا يسمح بتغييره بسهولة.

وبعد نحو نصف قرن، تكرر المشهد بطريقة مختلفة مع العراق. ففي عام 2000 أعلن صدام حسين أن العراق سيبدأ ببيع نفطه باليورو بدلا من الدولار. هذه الخطوة بدت تقنية في ظاهرها، لكنها كانت خطيرة جدا على نظام البترودولار لو أن دولا أخرى في أوبك قررت اتباعها. وبعد ثلاث سنوات فقط، غزت الولايات المتحدة العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل التي لم يتم العثور عليها أبدا. ومن المفارقات التي كثيرا ما تذكر أن أول وزارة تم تأمينها في بغداد بعد سقوط النظام كانت وزارة النفط، وليس المستشفيات أو الجامعات أو مؤسسات الدولة الأخرى. وبعد فترة قصيرة، عاد النفط العراقي ليباع بالدولار.

عند النظر إلى هذه الأحداث معا، يصبح من الصعب تصديق أن كل ما حدث في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية كان نتيجة أخطاء متراكمة فقط. فالحروب والأزمات وعدم الاستقرار لها فوائد استراتيجية واضحة: الدول الخائفة تشتري السلاح، والدول الضعيفة تطلب الحماية، والدول المنقسمة لا تستطيع أن تشكل تحالفات قوية، وأسعار النفط تبقى تحت تأثير التوترات، والدولار يبقى العملة الأكثر طلبا في العالم. والفوضى في هذه الحالة ليست مشكلة يجب حلها، بل أداة سياسية واقتصادية.

كل حرب في الشرق الأوسط تقريبا كان لها نتيجتان ثابتتان: ازدياد مبيعات السلاح، وازدياد الوجود العسكري الأمريكي. فصناعة السلاح الأمريكية هي واحدة من أكبر الصناعات في العالم، والحروب هي أفضل إعلان لمنتجاتها. كما أن وجود تهديدات دائمة يبرر وجود قواعد عسكرية أمريكية في الخليج وتركيا والعراق وسوريا والأردن وغيرها. والوجود العسكري بدوره يعزز النفوذ السياسي، والنفوذ السياسي يحمي النظام الاقتصادي القائم على الدولار والنفط.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الفوضى في الشرق الأوسط ليس كفشل في السياسة الخارجية الأمريكية، بل كجزء من نظام إدارة المنطقة. ليس بالضرورة أن تكون هناك مؤامرة سرية تدار في غرفة مظلمة، بل شبكة مصالح اقتصادية وعسكرية ومالية تجعل استمرار عدم الاستقرار مفيدا أكثر من الاستقرار الكامل. الاستقرار قد يعني دولا قوية وجيوشا قوية واقتصادات مستقلة وعملات قوية وتحالفات إقليمية مستقلة، وهذا قد يهدد التوازن العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ربما السؤال الحقيقي ليس: لماذا فشلت أمريكا في إصلاح الشرق الأوسط؟ بل السؤال هو: ماذا لو أن الشرق الأوسط، من وجهة نظر المصالح الكبرى، ليس من المفترض أن “يُصلح” أصلا؟ ماذا لو أن الفوضى ليست خطأ في النظام، بل هي جزء من طريقة عمل النظام نفسه؟ عندها ستبدو الحروب المتكررة، والأزمات الدائمة، والانقلابات، والصراعات، ليست أحداثا منفصلة، بل فصولا في قصة واحدة طويلة عنوانها إدارة العالم عبر الطاقة والمال والقوة، حيث لا تكون الفوضى دائما دليلا على غياب النظام، بل قد تكون أحيانا شكلا من أشكال النظام نفسه.

عن وطن