في إحدى الليالي الروسية الباردة في شوارع سانت بطرسبرغ كان الثلج يتساقط بكثافة حتى بدا وكأن السماء نفسها قد قررت أن تبكي.
كان هناك رجل بسيط…
سائق عربة يجرها حصان
وكان اسمه يونا.
قبل يومٍ واحد فقط مات ابنه الوحيد.
مات بعد مرضٍ لم يجد له دواءً… ولا مالًا… ولا رحمة.
خرج يونا إلى الشارع في تلك الليلة القاسية ليعمل.
ليس لأن قلبه قادر على العمل…
بل لأن الفقراء لا يملكون ترف الحزن.
كان ينتظر الركاب.
لا ليأخذهم إلى وجهاتهم فقط…
بل ليأخذ معه كلمةً صغيرة…
جملةً واحدة…
أذنًا تسمع.
جاء أول راكب مسرعًا.
قاد يونا العربة في صمت، ثم التفت إليه وهمس بصوتٍ مكسور:
ابني… مات أمس.
لكن الرجل لم يسمع…
أو ربما لم يُرِد أن يسمع.
بعد قليل صعد شابان آخران.
حاول يونا مرة أخرى.
حاول أن يخرج الحزن من صدره:
وقال بهمس ابني… كان مريضًا…
ومات أمس.
لكن الضحكات كانت أعلى من صوته.
والعجلة كانت أسرع من ألمه.
والشابان والعالم كانوا مشغولان عنه.
حاول مرار وتكرارا ولم يجد أحدًا يسمع.
عاد يونا إلى الإسطبل آخر الليل.
يجر عربةً مثقلة بالثلج…
وقلبًا مثقلًا بالحزن وبالخذلان.
اقترب من حصانه.
ووضع رأسه على عنقه…
وبدأ يحدثه في أذنه .
قال له:
ابني مات.
لقد كان مريضًا… ولم أستطع علاجه.
لم يكن لدي مال كي أعالجه .
كان يحتاج إلى من يسمعه…
وأنا الآن أحتاج إلى من يسمعني.
لم يجد يونا في العالم كله من يصغي إليه…
إلا حصانه.
استمع الحصان…
وصمت الليل…
وسقطت دموع الرجل على الثلج.
وحين انتهى يونا من شكواه…
سقط بين قدمي الحصان…
ومات.
أيها العالم…
هذه ليست قصة روسية قديمة فقط.
هذه قصة يمكن أن تتكرر في كل مكان…
حين يصبح الألم أكبر من آذان المسؤولين.
اليوم…
هناك شعب كامل يقف في العاصفة.
شعب اسمه الشعب الفلسطيني.
ينتظر من يسمع صوته.
ينتظر من يفهم وجعه.
ينتظر من يدرك أن الإنسان لا يعيش بالبيانات ولا بالشعارات…
بل بالكرامة والخبز والأمل.
لكن الخطر الحقيقي…
ليس في الحاجة فقط.
ولا في الحرب فقط.
الخطر الحقيقي…
أن يتحول شعب كامل إلى “يونا” جديد.
أن يصرخ…
ولا يسمعه أحد.
أن يتحدث عن ألمه…
ولا يصغي إليه أحد.
أن يبحث عن كتفٍ يضع عليه رأسه…
فلا يجد سوى الصمت.
إلى كل من يعتقد أنه مسؤول بحق او بغضب عن هذا الشعب…
انتبهوا.
هذه اليد التي ترتجف اليوم من التعب…
قد تسقط غدًا.
وهذا الصوت الذي يهمس الآن…
قد يصرخ غدًا.
وهذا الصبر الذي يملأ صدور الفلسطينيين…
ليس صبر الضعفاء.
لا تظنوا أن هذا الشعب سيجلس يومًا في زاوية الإسطبل…
ليحكي وجعه لحصان.
نحن لسنا يونا.
نحن شعب يعرف الألم…
لكنه يعرف أيضًا كيف يقف في وجه ظلامه.
نحن شعب جُرِّب عليه الحصار…
والحروب…
والخذلان…
لكنه بقي واقفًا.
نحن لسنا الرجل الذي يموت بصمت في الثلج.
نحن الخيل الجامحة.
والخيل…
إذا شعرت أن اللجام يختنق حول عنقها…
تكسر اللجام.
اسمعوا الناس قبل أن يصرخوا.
اقتربوا منهم قبل أن يبتعدوا ويتركونكم .
افتحوا أبوابكم قبل أن تغلق القلوب.
فالشعوب لا تموت فجأة…
بل تموت حين لا يجد ألمها من يسمعه.
والأمم العاقلة لا تنتظر لحظة الانهيار…
كي تكتشف أن الصمت كان خطيئة.
انتبهوا…
فنحن لم نصل بعد إلى زاوية يونا.
لكن الشعوب التي لا تُسمَع طويلًا…
قد تتحول يومًا من همسٍ حزين…
إلى عاصفة.
وشدي حيلك يا بلد واسرجي خيلك يا فتح






