أبدأ بسؤال: ألا يحق لأمهاتنا وأزواجنا نيل إجازة سنوية؟! يتحررن خلالها من محشر المطبخ، ومن قصف مركز بلا تقدير أو رحمة، جراء تشهون افراد العائلة الصائمين، الذين يعجزون أمام فكرة الصبر والتحمل فيهرعون الى ملجأ النوم، تاركين الأم وحدها في الميدان، تخوض سباقا مع الوقت، وتعبر حواجز عيون الغاز الخمس المشتعلة، وحقول ألغام السكاكين والفرامات والعصارات والعجانات -هذا إذا كانت تمتلك بعض نعم تكنولوجيا المطبخ- وتحافظ على توازنها وهي تفتش في أكياس اللحوم والخضار عن مستلزمات برنامج (ما يطلبه الجمهور) اليومي في دورة شهر رمضان الماراثونية النهارية والليلية، التي إذا حملناها ببرنامج على آلة يديرها عقل الكتروني لانفجرت!
فالزوج والأم تقضي وقتا وجهدا فيما يسمونه ظلما (مملكتها) في شهر رمضان ما يساوي حوالي نصف عدد شهور السنة القمرية، ذلك أن مملكتها تتحول الى ورشة عمل مفتوحة لتحضير الولائم والموائد العارمة بما لذ وطاب، لأصدقاء الأزواج، وللأقارب والأحباب! وهكذا الى أن تنتهي مرارة دورة مسلسلات الدراما التلفزيونية الفائضة بالعنف الجسدي والنفسي والدموع والمآسي والأحزان والمشاهد الجنائزية التي صارت علامة ادمان، ضارة بالصحة النفسية، تقلب موازين المكسرات والحلويات الشرقية والغربية وما بينهما المحلية، فتصير بالانفعالات مع التخمة كحمض الأسيد، فمعدتك يا سيدي الصائم ليست كمعدة النسر الأسيدية !
وشهر الصيام صحة للنفس والبدن، فلماذا تسعى لتحقيق ارقام قياسية في العصبية وعسر الهضم؟! وعلاج طبيعي وقائي، يمنعك من طرق ابواب المصحات والصيدليات.. وأنت يا سيدي بصيامك لا يعني انك في حالة ثأر من الجوع، وحبس انفاسك عن التدخين من الفجر حتى المغرب، لتذهب للانتقام منهما بلا حدود ما بين الموعدين!! وليس مطلوبا منك التنافس لتسجيل اسمك في (موسوعة غينيس) للأرقام القياسية في تطيير فوائد الصيام، وحرقها على جمرة فوق ما يسمونه (معسل) وهو في الحقيقة حارق خارق لشرايينك ودماغك الذي في رأسك، فلماذا تسمح لرأس شيشة أن يتحكم بطباعك ومزاجك؟ فمن المفترض أن الصيام قد منحك تجربة الاختيار الصحيح، وضمان الخير لنفسك وجسدك وعقلك، فالصوم صبر وقوة عظيمة تمنحك قدرة السيطرة على نقاط ضعفك، فأنت في الحقيقة يا سيدي ممتنع بارادتك عن الطعام والشراب والغرائز الجسدية، ولست جائعا بالمعنى البليغ للجوع الموصوف بالكافر!
ولو فتحت نافذة على عالم الفلاسفة والمفكرين والشعراء الذين اثروا حياة أمة الانسان بإبداعاتهم لرأيت معظمهم قد اتخذ الصيام منهجا للحياة، ولكن ليس عن الطعام وحسب، بل الصيام عن الباطل أبداً لصالح الحق، وعن الظلم لأجل العدل، وعن الشر من اجل الخير، والحرب والعصبية من اجل انتصار مبادئ السلام والمحبة والإخاء، فالصيام ارقى اشكال التعبير عن جمال اعمالنا وسلوكياتنا وتقديراتنا، ومدى نضوج أفكارنا ورؤانا للحياة، فكل المخلوقات في الكون التي نراها أو لا نراها تصوم، فالأرض تصوم حتى يأتيها الغيث، والطبيعة تصوم في خريفها، والطيور تصوم حتى تستمر دورة حياتها، وكل ما على الأرض وما بينها وبين السماء يسبح بحمد الله ويصوم، فهل الدنيا أعقل من الانسان، أم الإنسان أعقل؟! فإن آمن الانسان أنه أعقل، فلن يعجز عن ادراك المعنى الحقيقي للصيام، وأن الإسراف يتعارض مع الشكر والحمد لله.. فليكن الصيام اجازتنا التي نقررها على انفسنا رغم ضوضاء الحياة، لنتأمل ونفكر ونقدر ونحترم، ونقرر التسليم بحق امهاتنا مثلنا للتأمل والتفكير في أجواء راحة نفسية روحية بدنية، فسعادة الانسان هي الغاية الأسمى للشعائر.











