لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا

بقلم: مهند طلال الاخرس

في كتابه «تاريخ شعبي لكرة القدم» -«لميكائيل كوريا» وترجمة محمد عبد الفتاح السباعي- يتناول الكاتب كرة القدم من جانب مغاير للصورة النمطية التي اعتدنا عليها، وبما يسمح بكشف اسرار وخبايا هذه اللعبة وبطريقة اعمق مما كنا نتصور او نتخيل، هذه المدخل المغاير جعلنا ننظر الى كرة القدم من غير تلك الزاوية المعتادة والمرئية بالعادة!؟
وهنا بالذات تكمن اهمية الكتاب وفرادته، والتي اكسبته جوهرا مغايرا واكسبتنا مدخلا مميزا لمعرفة هذه العوالم المجهولة لكرة القدم، بخلاف تلك الصورة السطحية التي اعتدناها ونحن نشاهد احد عشر لاعبا يتنافسون مع اقرانهم، ويتراكضون خلف كرة من المطاط ليسجلوا هدفا في مرمى الفريق المنافس، ويصنعوا الفرح الصاخب لعشاقهم في المدرجات وخلف الشاشات وحتى انصارهم في الشوارع والمدن والدول وفي شتى اركان المعمورة..
وضمن هذا المفهوم يعتبر كتاب “تاريخ شعبي لكرة القدم” ، احد اهم الكتب التي تتبع تاريخ اللعبة من منظور طبقي واجتماعي، كاشفًا كيف كانت وسيلة للمقاومة والتحرر في أيدي العمال والنساء والشباب ضد الاستعمار والأنظمة السياسية، وكيف تطورت لتصبح صناعة ضخمة، مع التركيز على قصص مشجعين وشخصيات منسية بعيداً عن أضواء النجوم الكبرى، فهذا الكتاب غني ومزدحم بالقصص والحكايا التي تخفيها كرة القدم، وهو ليس كغيره من الكتب الرياضية؛ فهو يعيد اكتشاف كرة القدم كما لا نعرفها من قبل ويتناولها من جوانب لم نعهدها ايضا؛ لكن يبقى الاهم انه وبحسب تعبير الناقد محمد عبدالباسط عيد “يُقدِّم لنا وعيًا تاريخيًّا مفصلًا لكرة القدم وانتقالها من التبسيط إلى التركيب، ومن المتعة إلى الاحتراف المؤسسي، فهو يتناولها من حيث كونها ظاهرة ثقافية واقتصادية وسياسية، يتابع الدلالات ويحفر في الأنساق المضمرة التي جعلت منها نصًّا ثقافيًّا معولمًا، يحتفي به الناس في أرجاء المعمورة، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم ومعتقداتهم وأجناسهم”.
ويضيف : “لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للتسلية او لتمضية أوقات الفراغ، وإنما باتت عنوانًا أساسيًّا في حياتنا، لأنها غيرت في المفاهيم والعلوم التي يتم تدريسها في كليات السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، فالتعريف التقليدي للبلد والقائم على الشعب والدولة والحكومة والإقليم يتضمن الآن عنصرًا إضافيًّا لا غنى عنه لاكتماله: الفريق الوطني لكرة القدم، والبلد لا يصبح بلدًا بالمعنى الكامل للكلمة إلا إذا كان له منتخب يدافع عن حدوده ويلعب باسمه”.
وهذا المنتخب بما له من سطوة وحضور بين افراد شعبه تبرز قيمته المضاعفة خارج اسوار الملاعب، وهذا الحضوره الطاغي لا يتم الا عبر حاضنته الجماهيرية التي يتملكها الشغف ويميزها الحضور الصاخب، والتي لولاها لما كان لكرة القدم هذا الحضور وهذا العشق وهذه المكانة لدى معظم سكان المعمورة.
بالتأكيد لم يكن يدور في خلد احد من رواد هذه الرياضة بأنها ستصل إلى هذه الآفاق وهذا الحضور اللافت الذي غزا كل بيت وشارع حتى لو كان في قرية نائية في اقصى اطراف المعمورة..
“مع الايام ومع تطور واقع كرة القدم باتت الملاعب ساحات للنضال الاجتماعي والسياسي، وصار بمقدور الدارسين الحديث عن تطور علم «سيسيولوجيا المدرجات» وما يتصل به من تحيزات اجتماعية، طبقية وعرقية، وولاءات وجدانية وقومية، ونزعات استعمارية معلنة ومضمرة، ومقاومة رمزية لتلك الأفكار من جانب آخر”.
ويمكن للدارس التقاط عدة جوانب يمكن تسليط الضوء عليها وتحليلها وضبط السياق الذي تدور فيه وتخدمه. من هنا اصبحت الرياضة علاوة على كونها هواية جمالية يتملكها الشغف فانها لا تخلو من جوانب اخرى بعضها خفي وبعضها الاخر مرئي؛ مثل ان تغدو كرة القدم وسيلة للشعوذة وانتشار ثقافة الالهاء وهذا ما تحدثت به الماسونية وبروتوكولات حكماء صهيون، وان تجاوزنا هذا الاتهام بما له من دلالة وامكانية تواجد ملموسة، فلا يمكننا استبعاد كرة القدم والرياضة عموما كاحد ادوات السياسة الناعمة والفاعلة بآن، حالها كحال الفن والادب والموسيقى والاقتصاد والتعليم والمعرفة وما الى ذلك من ادوات الحضور الدولي الفاعل في مضمار السياسة الدولية…
وفي كرة القدم بوصفها المذكور يمكن استحضار امثلة كثيرة للاستدلال على ماذكر، لكن قد يكون تتبع سعي كثير من الدول لتجنيس لاعبين ذي مستوى عالمي للدفاع عن الوان قمصان وشعار منتخب لا ينتمون اليه الا بوصفه يدفع اكثر ويؤمن لهم سبل العيش الرغيد بعيدا عن جماهيرهم وحياتهم وامتدادهم الطبيعي، وهذه الظاهرة بالذات بحاجة لكثير من الدراسة لفهم ابعادها الكلية والتمحيص باهدافها الحقيقية، فهؤلاء المجنسين لا يختلفون عن المرتزقة في الحروب الطاحنة، لكنهم حتما احد ادوات السياسة الناعمة الجديدة التي تنتهجها دول الملح والرماد والحضور المدفوع الاجر مسبقا، وتلك سياسة تمتهنها دول بعينها على افتراض منها ان العالم مسرح كبير وان عليها ان تعتلي خشبة المسرح ولو خلف اسماء وادوات مستعارة، المهم انها تمارس نزقها ومراهقتها السياسية ومحاولة الحضور مع الفاعلين والمؤثرين على مستوى المعمورة، وهم طبعا واهمين لان مهمتهم التي تبدأ بمجرد التقاط الصورة تنتهي مع انطفاء اخر ضوء للكاميرا حتى لو البسوا ميسي العباءة العربية… فاللقطاء وزناة التاريخ لا يمكن لهم ان يكتبوا سطرا فيه، حتى ولو حاولوا، هم واولادهم او من ولد من ارحام نسائهم من بعدهم…
وبين الحديث عن اشباه الرجال ودورهم في استثمار الرياضة وكرة القدم بالذات كاحد ادوات السياسة الفاعلة وذات الحضور النجمي، يجب ان نفرق هنا بين هؤلاء وبين من اخذت كرة القدم والرياضة عموما مساحة اهتمام طبيعية لديها نتيجة نمو مجتمعي وتفاعل حضاري اوصلها الى ان تعتبر الرياضة لديها ثقافة ومنجز حضاري كامل التفاصيل والاركان، دون ان ينقطع او ينفصل عن تقدم المجتمع ورقيه ورفعته في شتى المجلات بشكل متوازي، وبخلاف ذلك تصبح كرة القدم سلعة هدامة تستخدم للتنفيس واستغلال طاقات الشعوب وتوظيفها في غير محلها ، وهذه كانت دوما و حصرا مهمة العملاء على مدى التاريخ .
وحين تصرف دويلات مراهقة مئات المليارات من الدولارات على مناسبات كروية ورياضية واهية بغية المواظبة على الحضور على خشبة المسرح العالمي باي ثمن؛ يظهر عمق الانتماء الوطني وفرق المعايير بين دول الملح والرماد وبين دول الدم والتاريخ والانسان الحقيقي الفاعل ودائم الحضور في دورة التاريخ…
في هذا السياق جاء نموذج المشجع الكونغولي الذي يتقمص دور شخصية القائد التاريخي باتريس لومومبا كمثال حي على صيرورة التاريخ ، وبان الدولارات تشتري الشهوات وتحسن التقاط الصور لكنها حتما لا تكتب مجدا ولا تصنع تاريخا للسفلة والاوباش من سكان المعمورة …
مشجع الكونغو الديموقراطية في مبارياتها الاربعة في بطولة امم افريقيا المقامة في المغرب 2025/2026 وقف طوال المبارايات مجسدا ومستحضرا صورة القائد الثوري والتاريخي باتريس لموبوبا الذي كافح الاستعمار البلجيكي لبلاده.
صورة هذا المشجع الكونغولي وعلى امتداد مباريات الكونغو الاربعة تحولت من لقطة عابرة في مدرجات كرة القدم، إلى استحضار وتذكير بتاريخٍ من الـدم والجماجم بفعل جرائم الاستعمار البلجيكي في الكونغو، حيث أباد الملك البلجيكي ليبولد الثاني 11 مليون كونغوليا.
وبفضل دوره التاريخي في قيادة نضال الشعب الكونغولي ضد الاستعمار البلجيكي اصبح باتريس لومومبا رمزا وايقونة لشعبه الكونغولي ولاحرار وشرفاء العالم. وانسجاما مع هذا الدور لم يكن غريبا عليه في سنة 1960 وأثناء حفل الاستقلال، وبحضور شخصيات عالمية ان يقف لمومبا، ويقاطع الملك البلجيكي في ذلك الوقت بودوان الذي حاول أن يلقن الكونغوليين خطاب الاستعمار التلقائي في أنهم ضحوا بشباب أبنائهم من أجل تعليم أبناء الكونغو، ورفع اقتصادهم (استنادا لفكرة ومفهوم الانتداب وهي وسيلة الغرب الدائمة في استعمار واستعباد الشعوب ونهب خيراتهم) قاطع لمومبا الملك البلجيكي، وخطب خطاب الدموع والدم والنار مذكرا المستعمر بجرائمه التي يندى لها الجبين.
وكما هي عادات المستعمر فقد ألب الكونغوليين على بعضهم واشعل نار الفتنة والبغضاء بينهم، فقال لومومبا إن مت غداً فسيكون السبب أن أبيض قد سلّح أسود.
وبالفعل حصل ذلك، وتآمر البلجيكيون عليه بالتعاون مع عملاء محليين، وأعدم مع رفاقه واذيب جسده في الاسيد…
مشجع كونغولي واحد قرر استحضار التاريخ في لحظة فارقة وبرمزية مكثفة الدلالة عميقة الجذور اسمها باتريس لوممبا …
هذا المشجع لوحده قام بما عجزت به دول باكملها حيث نجح باماطة اللثام عن ذاكرة التاريخ واعادها للحياة مجددا، وعادت سيرة باتريس لومومبا تجتاح الاخبار وتعتلي الشاشات مجددا.. فالتاريخ دائما ينتصر لاصحابه ولو بعد حين؛ فصاحب الاثر يبقى اثره حيا ولا يزول، حتى وان اعترى الذاكرة شيئ من النسيان…
مشجع كنغولي واحد وسط جماهير كنغولية تحمل علم بلادها اصبح حديث العالم باسره رغم هزيمة فريقه في اللحظات الاخيرة امام الجزائر…
هذا المشجع بقي واقفا ويده اليمنى مرفوعة للاعلى وكفه مبسوطة كمن يهدي الحب والسلام للجميع…
هذا المشجع بوقفته التي شابهت التمثال تماما، كانت قد نجحت بمطابقة واستحضار الاصل في صورة رمزية بالغة الدلالة…
هذا المشجع الكونغولي واسمه ميشيل كوكا مبولادينجا وقف وقفته الشهيرة في كأس أمم افريقيا بالمغرب بإجمالي عدد دقايق 438 دقيقة، بما يعادل 7 ساعات ونصف من اجل ان يخلد ذكرى الأسطورة لمومبا. بينما جيوش دول عربية باكملها لم تستطع ان تصمد امام العدو الاسرائيلي في حرب حزيران 1967 ستة ساعات…!!
هذا المشجع اثناء وقفته الشهيرة وطيلة الوقت لم يتحرّك ولم يهزّ راسه، ولم يفت في عضده ما يشاع ويقال… انه يقف لاجل وطنه الكونغو ولاجل من بثو روحهم فيها ليحيا من بعدهم كل ابناء جلدتهم…
هذا المشجع الكونغولي ورغم وطنيته الصريحة ثارت حوله الاقاويل وانتشرت الشائعات؛ خاصة حول دور الرجل ومن خلفه بلاده باستخدام السحر والشعوذه لجلب الفوز و الانتصار لبلاده…
ولان الافاقين والافاكين كثر كان لابد للكونغو ان تخسر في الدقيقة الاخيرة 119 من الشوط الاضافي الثاني لتدفع عن نفسها التهمة بالسحر والشعوذة، خسرت الكونغو في الدقيقة الاخيرة في تماثل حي مع سيرة الزعيم الثوري باتريس لوممبا الذي كان يتربص به الاستعمار واعوانه لكي يُقتل في السنة الاولى بعد التحرير و الاستقلال، كي تكتمل فصول الحكاية، وكي تتخلق الاسطورة وتدوم وتتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل…
في سير التاريخ كان لابد لهذه النهاية الماساوية ان تحدث كي تكتمل كل فصول الحكاية. والظاهر ان التاريخ تحدث فيه مدخلات وتدخلات تحذف وجهته الاخيرة عن الوصول الى مبتغاها، فكثيرا ما يحدث ما يعكر صفو الحكاية عند النهاية، لكن الماساة تكمن دوما في الفصل الاخير من الحكاية، وربما هذا الامر بالذات هو ما يسمح ان تبقى الحكاية وتدوم الى الابد، وربما لسبب بسيط؛ ان متعة الحكاية تفقد شغفها اذا اسدل الستار عليها بابتسامة، وربما لان الانسان المقهور بطبعه يميل الى الاحتفاء بالماساة والالم اكثر من احتماله للحظات الفرح… لا لشيء كثير، بل ليستذكر الانسان دائما كل من سبقوه الى هناك ومهدوا الطريق له الى هنا…
وربما بقيت اسطورة لومومبا حية لحجم التداخلات والتعقيدات فيها وفي قضية الكونغو من خلفها والتي بقيت اثارها وامتداتها واستطالاتها حية الى الان، وربما سمح للحكاية ان تدوم وتحيا وتعاود الانبعاث مجددا حجم التناقضات والمفارقات الغريبة والعجيبة فيها؛
وربما بقيت الحكاية حية تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل لامتداد اثارها وفواعلها لعدة دول ، ولاشتراك كثيرين في هذا الحب وهذه العلاقة مع باتريس لومومبا ولتوضيح هذه الاستطالات والمفاعيل قد يكون من المفيد ان نورد ثلاث من الامثلة لدول عربية [المغرب والجزائر ومصر] ترتبط بعلاقة وثيقة مع صاحبنا لومومبا وان اختلفت زوايا ومنظور تلك العلاقة، فمثلا بالنسبة للمغرب:
‏هذا الرجل لم يأتِ ليشجع فريقه ، جاء لينتقم ، جاء ليذكر المغرب بمن دافع عن الكونغو ومات من أجلها .
ولكن ‏لماذا هذا في المغرب بالذات ؟
كوكا يفعل هذا منذ 2013 في كل بطولة تتواجد فيها الكونغو الديمقراطية ، يقف بنفس الطريقة مجسدا لومومبا، لكنه لم يصبح ظاهرة عالمية ولم تنتشر صوره بالملايين إلا الآن ، في المغرب ، لماذا ؟
لأن المغرب ليس مجرد مضيف عادي لكأس إفريقيا ،
فملك المغرب هو الذي استضاف واحتضن الديكتاتور موبوتو [احد اهم خصوم لومومبا واحد اهم المتآمرين عليه] ، حيث عاش بقية حياته الى ان مات ودفن في المغرب، ولازال قبر الديكتاتور موبوتو هناك حتى اليوم شاهدا على هذا الاحتضان الشنيع، رغم ان المغرب في عهد الملك محمد الخامس ناصرت ودعمت حركات التحرر في افريقيا والعالم اجمع!!…
وبالنسبة لمصر التي دعمت ثورة الكونغو بقيادة باتريس لومومبا وارسلت قوات عسكرية لهناك بعد الاستقلال تحت مظلة الامم المتحدة‏، وهذا امر طبيعي في مصر عبدالناصر، ولم يقف الامر عند هذا الحد؛ كان الشاذلي وقواته هما “الجدار والسند” للومومبا وأنصاره لفترة طويلة.
لكن مالا يعرفه الكثيرون وقد يكون دليلنا على حجم هذه العلاقة ومدى هذا الترابط ان جمال عبدالناصر بعث بمحمد نسيم ذئب المخابرات الأسمر ، صاحب المهمات الدولية الخاصة، في مهمة إنقاذ باتريس لومومبا وعائلته، حيث استطاع تهريب زوجته و أولاده وتسليمهم الى سعد الدين الشاذلى العقيد في حينه وقائد الكتيبة المصرية في الكونغو لايصالهم إلى مصر، وهذا ماتم فعلا، حيث تم تهريب العائلة وتامين وصلولهم لمصر ، واقاموا لدى مصر عبد الناصر ونشأؤوا وترعرعوا في كنفه، لكن لم يكن لومومبا من بينهم، كان مشيئة القدر وحجم الغدر والمؤامرة اسبق واسرع اليه حتى حصل ما حصل وجرى ما جرى ؟!
وما شاعت انباء تصفية ومقتل لومومبا حتى جاء الرد الشعبي المصري سريعا؛ اذ هبت مظاهرات عارمة في القاهرة، واقتحمت الجماهير المصرية الغاضبة السفارة البلجيكية وحرقوها!
اما ​الرد الرسمي “الناصري” جاء باسلوب الانتقام البارد ؛
فالزعيم جمال عبد الناصر لم يكتفي بالرد الشعبي الذي احرق السفارة .. فاراد حاجة توجع البلجيكيين على طول العمر ، حاجة تفضل “شوكة” في حلقهم كل يوم.
فاصدر قرار جمهوري بتغيير اسم الشارع اللي فيه القنصلية فوراً واسماه شارع “باتريس لومومبا…
​ببساطة، عبد الناصر أجبر الحكومة البلجيكية إنها تستذكر عارها وفعلتها المشينة بـ “لومومبا” في كل ورقة رسمية رغما عن انفها! وبقي “شبح” لومومبا يطاردهم في أكلهم وشربهم وشغلهم..
وبالنسبة للجزائر قبلة الثوار حسب التعبير الايقوني للزعيم اميلكال كابرال من غينيا بيساو الذي اطلقه عندما زار الجزائر في 1969 حيث قال مقولته المشهورة :” المسيحيون يحجون الى روما والمسلمون الى مكة والثوار الى الجزائر”..
والجزائر التي عرفت باتريس لومومبا باكرا حفظت الجميل كعادتها وتحملت اوزارا واعباء كثيرة في سبيل عقيدتها تلك؛ فالجزائر الوفية وفي عهد هواري بومدين صانت العهد وحفظت الوعد وانتقمت لباتريس لوممبا باعتقال قاتله مويس تشومبي . ففي يونيو/حزيران 1967 اختطفت الطائرة التي تقل تشومبي وحولت وجهتها إلى الجزائر واودع في سجونها عقابا لاشتراكه باغتيال باتريس لومومبا، وبقي في سجونها حتى وفاته سنة 1969.
هذه المفارقات والاستطالات والامتدادات وتعدد الحكايات في سيرة باتريس لومومبا جعلت منه ايقونة واسطورة في تجلي وتناص واضح مع اسطورة جلجامش في رحلته المضنية في البحث عن الخلود…
فجلجامش في رحلة بحثه المضنية والشاقة عن الخلود كان في الحقيقة وفي قرارة نفسه يبحث عن الحكاية، وهو مالم يدركه إلاّ حين وجد الحكيم اوتنابشتم وسأله عن سر الخلود، إلا ان اوتنابشتم رغم مساعدته في ايجاد نبتة الخلود الا انه كان يعرف مآلات الحكاية، لذلك هو لم يمنحه عشبة الخلود في الحقيقة بقدر ما منحه الحكاية، والخلود هو الحكاية التي تبقى وان طال الزمن وهذا ما حصل مع لومومبا تماما.فالحياة، ليست إلا سلسلة من الحكايا التي لا تنتهي ؛ لكن ليس كل ما فيها يبقى؛ يبقى منها فقط ما يحدث فيك شيئا يمس روحك بالجنون…
هذا غيض من فيض حول سر بقاء سيرة ومسيرة باتريس لومومبا حية طيلة هذا الوقت، وربما لاسباب اخرى نعلم بعضها ونجهل البعض الاخر، الا انها هذه الاسباب واعتمادا على سيرة صاحبها نجحت جميعها بجعل باتريس لومومبا ايقونة واسطورة للنضال الافريقي ضد قوى الاستعمار والاستدمار الغربي الساعي دوما لاستعباد الشعوب ونهب خيراتها….
ببساطة كان على ذلك المشجع الكونغولي ان يقف مثل التمثال وعلى تلك الهيئة كي يخلّد ذكرى الزعيم الخالد باتريس لومومبا، بعكس تلك الدول اللقيطة التي ان اقفلت حدودها و اغلقت قنواتها التلفزيونية والفضائية وسرحت اقلامها الماجورة لن تجد من يذكر اسمها حتى ولو في حادث سير او حتى في مواخير القوادة..
ميشيل كوكا مبولادينجا وقف وقفته الشهيرة في كأس أمم افريقيا بالمغرب بإجمالي عدد دقايق 438 دقيقة، يعني تقريبا 7 ساعات ونصف لاجل ان يخلد ذكرى الأسطورة لمومبا وليسمح باعادة تخلق الاسطورة امام العالم مرة اخرى وهذا تماما ديدن الشعوب الحية التي تعي تماما دورها في التاريخ وتتقن كل فنون البقاء رغم كل محاولات الشطب والالغاء .
تقول الاسطورة الافرقية:
“إن للأسد الإفريقي قلباً من برق،
وأنه حين ينهض، ترتجف الطرق وتزهر الأشجار
ينهض من الغبار، من جراحٍ حملها طويلاً،
ينهض ليحرس البحر من العابرين،والسماء من السارقين، والروح من الانكسار”
رجلٌ صامت ببدلته الزرقاء تحوّل إلى مرآة لوطنٍ جُرِّد من إنسانيته، من الأيادي المقطوعة إلى الثورات المغدورة. رجل احتل شاشات التلفزة واجتاح صفحات التواصل الاجتماعي بما يملك من امتداد طبيعي مع التاريخ، بينما دول باكملها تنام وتصحو على بطنها وتغرس راسها بالرمال ان لاح لها من يمكن ان يغتصبها.
في كرة القدم نحن امام نموذجين؛ هذا المشجع الكونغولي الاثير المنتسب بحق الى صيرورة التاريخ وتلك الدول اللقيطة التي تسعى جاهدة للبقاء على مسرح الضوء كراقصة احيانا وكمومس في احيان اخرى وكصراف الي في معظم الاحيان تدفع الرشا والخاوات، وفي هذا النموذج دليل حي على ان الشعوب تصنع تاريخها بايدي ابنائها وليس بايدي الاخرين …
بقي ان نقول ان باتريس لومومبا من طينة هؤلاء الرجال الذين ينطبق عليهم ما قاله الشاعر الكبير نزار قباني: “إنهم كالموت والولادة صعب بأن يعادوا مرتين”.