أكتب هذه الكلمات اليوم، وأنا الذي كتبت كثيرًا خلال الأيام الماضية بفرحٍ حقيقي بالمؤتمر الثامن لحركة فتح. كتبت بمحبة المؤمن بحركته وبحماسة الفتحاوي الذي رأى في هذا الحدث فرصةً لاستعادة الروح الوطنية وتجديد الحياة التنظيمية، وإعادة ضخّ الأمل في شرايين الناس المتعبة.
كنت أريد لهذا المؤتمر أن يكون لحظة نهوضٍ فلسطيني واسعة، لا مجرد استحقاق تنظيمي عابر. وكنت أتمنى أن تكون خاتمته بحجم البدايات الجميلة التي رافقته وبحجم صورة فتح التي نحملها في قلوبنا منذ سنوات طويلة.
لكن ما يجري اليوم يدفع أي إنسان صادق إلى القلق… لا إلى المجاملة.
فالقضية لم تعد مجرد تأخرٍ في إعلان النتائج، ولا مجرد حالة تراشقٍ إعلامي يمكن التقليل من أثرها. القضية أخطر من ذلك بكثير.
القضية أن شعبًا كاملًا يقف على حافة إنهاكٍ نفسي وسياسي واقتصادي غير مسبوق، بينما تتعامل بعض العقول مع المشهد وكأن الوقت بلا قيمة وكأن الناس ما زالت تملك رفاهية الانتظار والضبابية والقلق المفتوح.
أي وطنٍ هذا الذي يدخل عيد الأضحى وأغلب ناسه يفكرون بكيفية النجاة لا بكيفية الفرح؟ وأي مرحلةٍ هذه التي أصبح فيها الفلسطيني يطارد الطمأنينة كما يطارد الراتب والكهرباء والخبز؟ وأي خطيئةٍ سياسية أكبر من ترك شعبٍ يقاتل للبقاء منذ عقود وحيدًا أمام كل هذا الثقل النفسي؟
الناس لم تعد تحتمل، وهذه ليست جملة عاطفية تُكتب للانفعال، بل توصيفٌ سياسي خطير يجب أن يُسمع جيدًا.
فالاحتلال لم يكتفِ بمحاصرة الأرض بل عمل طويلًا على إنهاك الإنسان الفلسطيني من الداخل، ودفعه نحو التعب وفقدان الثقة واليأس البطيء. وهنا تحديدًا تصبح مسؤوليتنا الوطنية أكثر حساسية، لأن العبث الداخلي في لحظةٍ كهذه ليس مجرد خطأ تنظيمي بل استنزافٌ مباشر لما تبقى من الروح الفلسطينية.
حين تتحول القضايا التنظيمية إلى حالة قلقٍ شعبي يومية، وحين يصبح الإعلام ساحةً للتلميحات والتسريبات والتشكيك وحين يشعر المواطن أن مؤسساته تتحدث كثيرًا لكنها تطمئن قليلًا… فهذا يعني أننا نخسر أخطر ما يمكن خسارته وهي ثقة الناس.
والشعوب قد تتحمل الفقر طويلًا لكنها حين تفقد ثقتها تبدأ بالتآكل بصمت.
فتح ليست تفصيلًا صغيرًا في الحالة الفلسطينية حتى يُسمح بأن تبدو مرتبكة أمام شعبها. فتح هي العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني وأي اهتزازٍ في صورتها ينعكس فورًا على الحالة المعنوية للناس، لأن الفلسطيني — حتى المختلف معها — يعرف أنها ليست مجرد حركة، بل تاريخ القضية الوطنية الحديثة.
ولهذا، كان المطلوب من المؤتمر الثامن أن يكون لحظة استعادة للهيبة والثقة والنظام، لا لحظة توترٍ مفتوح وأسئلةٍ بلا إجابات.
ومع ذلك، ما زالت الفرصة قائمة لتصويب المسار إذا انتصرت الحكمة على المكابرة والمسؤولية على الضجيج.
فالناس لا تريد بيانات مطوّلة بقدر ما تريد أفعالًا واضحة: حسمًا سريعًا ومسؤولًا لكل الملفات العالقة، وخطابًا وطنيًا يطفئ الاحتقان بدل أن يغذّيه وتحركًا اقتصاديًا عاجلًا يحمي كرامة الناس قبل العيد، وإعادة الاعتبار لفكرة المؤسسة والنظام واحترام عقل المواطن، وفتح الباب أمام الطاقات الوطنية والكفاءات للمشاركة في إعادة بناء الثقة.
لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس الجوع فقط… بل اعتياد الجوع. وليس القلق فقط… بل تحوّل القلق إلى أسلوب حياة فلسطيني دائم.
أنا لا أكتب هذا غضبًا على فتح بل خوفًا عليها. ولا أكتبه اعتراضًا على الوطن بل دفاعًا عن روحه المتعبة.
أخاف على الفلسطيني الذي أصبح يحمل فوق قلبه ما لا تحمله الجبال وأخاف على الناس من الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الصمت أكثر راحة من الأمل.
فالأوطان لا تسقط دائمًا بالهزائم الكبرى، أحيانًا تبدأ بالسقوط حين يتعب شعبها نفسيًا إلى الحد الذي يفقد فيه إيمانه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ولهذا، فإن حماية الروح الفلسطينية اليوم أصبحت مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي معركة سياسية أخرى.
ومن لا يسمع أنين الناس الان…قد يأتي يومٌ لا يجد فيه من يسمع صوته.






