جاري التحميل...

ل شاخت حركة فتح؟ ولماذا توقفت عن إنتاج الفكر الجديد؟

أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

لم تُبنَ حركة فتح على البندقية وحدها، بل تأسست أيضاً على فكرة ثورية استطاعت أن تعيد الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، وأن تنقل الفلسطيني من حالة اللجوء والانتظار إلى حالة الفعل والمبادرة. وقد مثّل هذا الفكر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قوة جذب عربية ودولية، لأنه كان قادراً على قراءة الواقع وإنتاج مشروع سياسي متجدد.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم تعد فتح تنتج فكراً جديداً يواكب العصر؟
تكمن المشكلة، في تقديري، في أن الحركة دخلت مرحلة من الشيخوخة الفكرية والتنظيمية. فالشيخوخة هنا ليست مرتبطة بعمر القيادات، وإنما بعمر الأفكار التي لم تعد تتجدد، وبالاعتماد على أدوات سياسية وتنظيمية صيغت لمرحلة تاريخية مختلفة، بينما تغير العالم بصورة جذرية.
لقد أغلقت فتح، تدريجياً، أبواب التجديد الفكري، ولم تعد تستثمر في إنتاج النخب القادرة على صياغة رؤية فلسطينية جديدة تستجيب لتحولات النظام الدولي، والثورة الرقمية، وصعود الفاعلين الجدد، وتغير أنماط الصراع. وبدلاً من أن تتحول إلى مدرسة فكرية متجددة، أصبحت أسيرة خطابها التاريخي، تستحضر أمجاد الماضي أكثر مما تصنع رؤى المستقبل.
إن الحركة التي قادت الثورة الفلسطينية مطالبة اليوم بأن تقود ثورة داخل ذاتها؛ ثورة في الفكر قبل التنظيم، وفي الرؤية قبل الأدوات. فالتاريخ لا يمنح الشرعية إلى الأبد، وإنما يجددها الإنجاز والقدرة على الابتكار والاستجابة لمتطلبات المرحلة.
إن الأجيال الفلسطينية الجديدة لا تبحث فقط عن تاريخ نضالي مشرف، بل تبحث أيضاً عن مشروع وطني قادر على الإجابة عن أسئلة الدولة، والحرية، والتنمية، والعدالة، والهوية، والعلاقة مع العالم. وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بخطاب صيغ قبل عقود دون مراجعة أو تطوير.
إن تجديد فتح لا يعني التخلي عن إرثها الوطني، بل يعني إعادة إنتاج هذا الإرث في صورة فكر سياسي معاصر، يجمع بين الثوابت الوطنية ومرونة الوسائل، وبين أصالة المشروع وقدرته على التكيف مع التحولات العالمية.
إن أي حركة تحرر لا تجدد فكرها تتحول مع الزمن إلى مؤسسة تدير الماضي أكثر مما تصنع المستقبل. والتاريخ يعلمنا أن الجمود الفكري هو بداية التراجع السياسي، وأن البقاء لا يكون لمن يملك التاريخ فقط، بل لمن يمتلك القدرة على إعادة كتابة المستقبل.
ومن هنا، فإن مستقبل فتح لن يتحدد بما أنجزته بالأمس، بل بما تستطيع أن تنتجه اليوم من فكر، وما تستطيع أن تقدمه غداً من مشروع وطني متجدد يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني.