مجلس السلام وإعادة هندسة النظام الدولي:غزة كنموذج لإدارة الصراع خارج القانون

د. صلاح عبد العاطي

مقدمة: من وقف النار إلى إدارة الحياة تحت الوصاية
ما يجري اليوم في قطاع غزة لا يمكن اختزاله في مسار تهدئة، أو ترتيبات ما بعد حرب، أو جهود إنسانية لمعالجة كارثة غير مسبوقة. نحن أمام مشروع سياسي–استراتيجي متكامل، تقوده الولايات المتحدة، ويُعاد تسويقه تحت مسمى «مجلس السلام»، يهدف في جوهره إلى إعادة هندسة إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل وإعادة تشكيل قواعد النظام الدولي ذاته، عبر تجاوز القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، واستبدالها بمنطق القوة والنفوذ والصفقات.
غزة، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل مختبرًا مبكرًا لتجريب نموذج جديد لإدارة النزاعات خارج منظومة الشرعية الدولية، في عالم يشهد تراجعًا متسارعًا لمنطق القانون وصعودًا فاقعًا لواقعية القوة.

اولًا: مجلس السلام الترامبي – من تسوية النزاع إلى إعادة هندسة النظام الدولي
مشروع «مجلس السلام» الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والمنبثق عن خطته ذات النقاط العشرين، لا يمثل مبادرة سلام تقليدية، ولا آلية متعددة الأطراف لحل النزاعات، بل يعكس انتقالًا نوعيًا من مقاربة الشرعية الدولية إلى مقاربة الهيمنة الواقعية.
فالمجلس، بصيغته المطروحة، يتجاوز الأمم المتحدة، ويُفرغ قراراتها ذات الصلة بفلسطين – ولا سيما ما يتعلق بإنهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير، وعودة اللاجئين، وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة – من مضمونها العملي، ويستبدلها بترتيبات فوقية تُفرض بقوة النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري.
بهذا المعنى، لا يسعى مجلس السلام إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى إدارته بكلفة أقل، ولا إلى تحقيق العدالة، بل إلى إنتاج «استقرار قابل للإدارة»، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى حساب القانون الدولي ذاته.

ثانيًا: أزمة النظام العالمي وصعود منطق القوة

يأتي هذا المشروع في لحظة دولية مأزومة تتسم بعدة سمات متداخلة:
فشل مجلس الأمن الدولي في وقف حرب الإبادة الجماعية في غزة بسبب الفيتو الأميركي المتكرر.
– تراجع مكانة الأمم المتحدة كمظلة قانونية قادرة على حماية المدنيين أو فرض قراراتها.
– صعود النزعة الأحادية الأميركية، وإنتاج أطر بديلة للحوكمة الدولية تتجاوز القانون الدولي حين يتعارض مع المصالح الجيوسياسية.
– تطبيع الإفلات من العقاب، وتحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية لا منظومة ملزمة.
في هذا السياق، لا يمثّل «مجلس السلام» دعمًا للنظام الدولي القائم، بل بديلًا عمليًا عنه، تُعاد فيه صياغة مفهوم الشرعية على أساس ميزان القوة لا ميزان الحقوق.

ثالثًا: غزة بين التهدئة المشروطة والإعمار المُسيّس

في قلب هذا المشروع، تُطرح غزة كساحة اختبار مركزيّة:
تهدئة واعمار ومساعدات مقابل نزع سلاح و ضبط سياسي وأمني بشروط، وهنا تتحول المساعدات وإعادة الإعمار من حق إنساني وقانوني ثابت، إلى أداة سياسية للضبط والابتزاز. حيث يُراد لغزة أن تُدار كملف إنساني–اقتصادي، لا كجزء من قضية تحرر وطني، وأن يُعاد تعريف سكانها كمستفيدين مشروطين لا أصحاب حقوق غير قابلة للتصرف.

رابعا : نزع السلاح والقوة الدولية بين الحماية والسيطرة

ترفض المواقف الفلسطينية والعربية والدولية تحويل أي قوة دولية في غزة إلى أداة صدام أو نزع سلاح بالقوة، فالتجارب السابقة العالمية أظهرت أنها تولّد انفجارًا داخليًا ولا تحقق استقرارًا حقيقيًا، فالسلاح لدي الفصائل قضية سياسية مرتبطة بإنهاء الاحتلال والتوافق الوطني، وأي فصل له قد يحوّل الشرطة أو اللجنة المدنية إلى أدوات ضبط وصراع بدل تسهيل مهمة لجنة التكنوقراط في حال طلب منها نزع السلاح، عدا عن ضرورة مراعاة وجود مليشيات تابعة للاحتلال مسلحة، وسلاح لدي بعض العائلات وحالة الفلتان الأمني خلال حرب الإبادة الجماعية، الي جوار استمرار الخروقات الإسرائيلية، والتي تتطلب وجود القوات الدولية بمهام واضحة وفقا للقانون الدولي لحفظ امن كل الأطراف وحماية المدنيين وتامين المعابر ، كي لا تتحول القوة الدولية إلى أداة ضغط ونزع سلاح ، كما ان غياب الامن وسيادة القانون في ظل الانقسام قد يقوّض السلم الأهلي، لذا فالمقاربة الأمريكية والإسرائيلية تجاه قوة الاستقرار ونزع السلاح تهدد فرص نجاح الاتفاق وتدفع القطاع نحو الفوضي والاستخدام الابتزازي لموضوع السلاح لاعادة حرب الإبادة والتهجير ، كما ان الخشية قائمة في حال سلم السلاح ضمن اي مقاربة في ظل عدم وجود ضمانات دولية كافية وفي ظل بقاء الاحتلال، ما يفتح الباب امام سيناريوهات اولها الاستقرار الهش والفوضى الداخلية، أو إعادة العدوان و ترسيخ السيطرة علي القطاع من قبل الاحتلال وتهجير السكان ، فالجميع يعلم بان انتهاء المقاومة و الاستقرار الحقيقي يتطلب انهاء الاحتلال ، لذا لا بد من ايجاد مقاربة شاملة لمعادلة السلاح بضمن مسار سياسي شامل لضمان الحقوق الفلسطينية ولحينها لابد من الاتفاق على استراتيجية دفاعية فلسطينية تضمن التعاطي مع الخيارات التي يطرحها الوسطاء لضمان نزع ذرائع الاحتلال والولايات المتحدة.

خامسا:خطة جاريد كوشنر لإعادة إعمار غزة، المعروفة بـ” شروق الشمس”*

تعد خطة كوشنير بتحويل القطاع إلى مدينة عصرية مزدهرة سياحيًا وصناعيًا، مع ميناء ومطار وسكك حديدية، لكنها تربط التنفيذ بنزع سلاح حماس وتضع القرار السياسي والاقتصادي خارج يد الفلسطينيين، مما يثير مخاوف من فقدان الملكية، تفكيك النسيج الاجتماعي، وتحويل غزة إلى منطقة وظائف اقتصادية تحت سيطرة خارجية.
وان كان الفلسطينيون والعرب ومعظم دول العالم ترفض اي ترتيبات تفرض السيطرة على الأرض، بينما يشكك العرب والدوليون في جدوى المشروع وتهديده للهوية الوطنية والقانون الدولي، ما يجعل الإعمار رهينًا بالسياسة أكثر من كونه خطوة تنموية حقيقية، فيما البديل العربي والدولي جاهز عبر الخطة المصرية لإعادة الإعمار.

سادسا: مجلس السلام وإسرائيل – السلام كغطاء للهيمنة.
تتعامل إسرائيل مع مجلس السلام كأداة لإعادة تأهيل صورتها الدولية بعد جرائم الإبادة، وتكريس الوقائع الاستعمارية التي فرضتها بالقوة، وربط الإعمار بنزع السلاح وتفكيك المقاومة.
استمرار الابادة و القتل، ومنع المساعدات، والتدمير ،وتوسيع المناطق العازلة، استمرار حظر عمل وكالة الغوث الدولية واعاقة ومنع عمل المؤسسات الإنسانية وعرقلة دخول المساعدات والمستلزمات الطبية والمعدات والبيوت المؤقتة والوقود ، الامر الذي يؤكد أن خطة ترامب رغم وقف إطلاق النار الا ان الخروقات الإسرائيلية جعلت منها آلية لتطبيع العدوان وشرعنة الإفلات من العقاب وتغيب العدالة الدولية وليس مسار للسلام او الاستقرار .

سابعا:*غزة كمختبر لإدارة النزاعات خارج القانون

غزة تُحوَّل إلى نموذج لإدارة النزاعات خارج القانون الدولي:
بلا مساءلة عن جرائم الحرب
بلا محاسبة على الإبادة والتجويع
بلا احترام لقرارات محكمة العدل الدولية أو اتفاقيات جنيف
وإذا استقر هذا النموذج، فسيشكّل سابقة خطيرة قد تمتد الي الضفة الغربية ومناطق أخرى في العالم عدا عن كونها تُضعف النظام الدولي برمّته وتزيح قواعد القانون الدولي.

ثامنا: الانقسام السياسي واللجنة التكنوقراطية – من إدارة الأزمة إلى تفكيك الشرعية

لا يمكن فهم ما يجري اليوم من تجاوزٍ ممنهج للتمثيل الفلسطيني، وتفكيكٍ متدرّج للحكم والشرعية، وفرض صيغ وصاية خارجية على قطاع غزة، بمعزل عن الانقسام السياسي الفلسطيني وإدارته بوصفه خيارًا مستدامًا لا أزمة مؤقتة.
فالانقسام تحوّل إلى نظام إدارة بحدّ ذاته. وفي هذا السياق، يأتي تشكيل لجنة تكنوقراطية فلسطينية لإدارة قطاع غزة، خاضعة مباشرة لما يُسمّى «مجلس السلام»، ليشكّل ذروة هذا المسار لا استثناءً عنه، ويعبّر عن فشل السلطة الفلسطينية وتآكل أهليتها في الحكم والتمثيل.
وهنا لا مجال لتوزيع صكوك براءة؛ إذ يتحمّل الرئيس والقيادات الفلسطينية، وتحديدا حركتا فتح وحماس، مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن إدامة الانقسام، وتعطيل الديمقراطية، وترسيخ حكم الأمر الواقع التي إوصلت الفلسطينيون الى نظام سياسي بلا قيادة جماعية او استراتيجية وطنية بدون مؤسسات فاعلة تحظي بالتفويض الشرعي ، وشعب يدفع الثمن من أمنه وحقوقه ودمه ومستقبلة .

تاسعا: غزة بين السلام المفروض والهيمنة متعددة الأبعاد

تواجه غزة محاولة شاملة لإدارة الحياة تحت الوصاية، وتحويل الفلسطينيين من شعب صاحب حقوق، إلى ملف إنساني–أمني قابل للإدارة، خارج منطق التحرر والسيادة، في ظل الوقائع الكارثية في غزة ، بما يفرض علي الفلسطينين مقاربة واقعية لإنقاذ الحياة وحماية الحقوق في لحظة العاصفة، و في ضوء هذا التشخيص المركّب، تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية–كفاحية، لا شعاراتية ولا انكسارية، تنطلق من أولوية إنقاذ الحياة، وتحافظ على جوهر الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وتدير الصراع بذكاء سياسي وانحناء تكتيكي للعواصف دون تسليم أو تفريط بما يستدعية ذلك العمل على:

أولًا: أولوية إنقاذ الحياة ووقف الإبادة في غزة
وقف فوري وشامل لإطلاق النار بضمانات دولية
انسحاب إسرائيلي كامل ورفع الحصار
فتح المعابر دون شروط، وإطلاق برامج إغاثة، تعويض، وإعمار باعتبارها حقوقًا قانونية.

ثانيًا: منع التهجير وتفكيك مشاريع التفريغ السكاني
تثبيت بقاء السكان كخط أحمر
إفشال أي صيغ إنسانية تُستخدم كغطاء للترحيل
بناء تحالفات دولية لرفض التهجير وتجريمه.

ثالثًا: الضفة الغربية – كبح الاستيطان والضم والتهويد
مواجهة الاستيطان كجريمة حرب مستمرة، ودعم صمود المجتمعات المحلية في مناطق (ج)، القدس، والأغوار، و تفعيل أدوات المساءلة الدولية ضد التهويد والضم وباقي الجرائم الإسرائيلية.

رابعًا: إدارة المرحلة السياسية وتمرير العاصفة الترامبية
التعامل البراغماتي مع الواقع الدولي دون الارتهان له
بناء حائط صد سياسي ودبلوماسي من الوسطاء الإقليميين والدوليين
منع فرض حلول تصفوية تحت مسمى السلام.

خامسًا: إنجاح اللجنة التكنوقراطية دون شرعنة الوصاية، وتحصين اللجنة وطنيًا، وربط عملها بخدمة الناس وتخفيف المعاناة، لا بشرعنة واقع الإخضاع، وتعزيز الشفافية وتوجيه الموارد لدعم صمود المواطنين والخدمات الأساسية
سادسا: تعزيز الدور المصري كوسيط و”حاجز أمام الوصاية الكاملة” والتهجير وداعم للحقوق الفلسطينية ، مع مواصلة بناء موقف عربي دولي موحد يضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل للالتزام بالقانون الدولي، وحماية المدنيين وربط أي إعادة إعمار بالحقوق السياسية والإنسانية وليس بالشروط الأمنية.

سابعا : استعادة قوة الشارع والتضامن الدولي ، ومن خلال
إعادة تفعيل حركة التضامن العالمي وفرض العقوبات، و
تحويل الزخم الشعبي الأخلاقي الدولي إلى ضغط سياسي، قانوني، وحقوقي فعلي ، مع مواصلة الجهود الحقوقية لمساءلة إسرائيل وقادتها وشركائها امام القضاء الدولي

الخاتمة: غزة، المفارقة والمعانقة
المفارقة الكبرى اليوم أن ما يُسمّى بـ«مجلس السلام» في غزة لا يمثل مشروع سلام حقيقيًا، بل أداة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. فهو يقف بين واقع الإبادة المستمرة والدمار الشامل، وما يُراد أن يكون سلامًا أو استقرارًا، معتمداً على إدارة الصراع واحتواء تداعياته بدل حسم جذوره.
رغم ان غزة لم تعد مجرد أرض؛ وشعب تعرض للابادة بل باتت رمز للعدالة الدولية والكرامة الإنسانية، واختبار مباشر لمصداقية المجتمع الدولي، ولقدرة أي إطار يدّعي حماية السلام على التوازن بين المصالح الكبرى وحماية حقوق الفلسطينيين، وفتح أفق سياسي واضح يضمن حق تقرير المصير، الذي بات العالم بأسره يدركه ويؤمن به، عدا أمريكا وإسرائيل.

ومن هنا، تصبح المقاربة الفلسطينية الأكثر اتزانًا الانخراط الحذر المشروط: استثمار ما يخفف المعاناة ويربط أي تهدئة أو إعادة إعمار بمسار سياسي تدريجي يحمي الحقوق الوطنية، ويحوّل أي إطار مؤقت إلى قاعدة لتحسين الحياة دون أن يحل محل الحل السياسي النهائي.
ولعل الفلسطينيين، وغيرهم من الوسطاء والدول، قد يكونوا مجبرين اليوم على المعانقة السياسية لمقترحات ترامب وعضوية مجلس السلام، على الأقل لتوفير إطار يمنع عودة الإبادة، ويعزز الاستجابة الإنسانية، ويتيح إعادة التعافي للخدمات، والإيواء المؤقت، والإعمار، ومقاربة ليست مضمونه نحو حل الدولتين، مع إدراك أن المجلس يظل إطارًا مؤقتًا لا نهائيًا.

فالأمن المستدام، والسلم الإقليمي والدولي، لن يتحقق إلا بمعالجة جذور الصراع والقضية الفلسطينية ومراعاة القانون الدولي والعدالة، ضمن رؤية سياسية شاملة تحمي الحقوق، وتفتح أفقًا حقيقيًا للسلام.
وخاتما: غزة ورغم كل التحديات والمخاطر التي تتهددها سوف تظل اختبارًا حيًا لمصداقية مجلس السلام، والسياسيات الفلسطينية والعربية والدولية في لحظة ضبابية تتطلب صمود ذكي تُدار فيها المعركة على النفس الطويل، بواقعية شجاعة، وانحناء تكتيكي للعواصف، دون كسر البوصلة الوطنية أو التفريط بالحقوق.
فالرهان اليوم: ليس فقط على ما نرفضه، بل على كيف نحمي الناس وننقد الحياة في غزة ، ونمنع تصفية القضية، ونبقي جذوة الحق مشتعلة حتى تغير موازين القوى.