لا يحتاج العالم إلى كثير من الذكاء ليدرك أن السلام لا يولد من فوهة القوة، ولا من قرارات تُصاغ خلف الأبواب المغلقة، ولا من مجالس تمنح نفسها سلطات استثنائية فوق إرادة الشعوب. وإذا صحت الوثائق المسربة التي كشفت عنها صحيفة The Guardian، فإن ما يسمى بـ”مجلس السلام” ليس مشروعًا لصناعة السلام، بل مشروع لفرض وصاية سياسية وقانونية على قطاع غزة، تحت غطاء دولي وشعارات براقة تخفي حقيقة أكثر قسوة.
أي سلام هذا الذي يبدأ بمنح الحصانة للمسؤولين والمتعاقدين والقوات الأجنبية؟ وأي عدالة تلك التي تعفي أصحاب القرار من المساءلة قبل أن يبدأوا عملهم؟ وأي إعادة إعمار يمكن الوثوق بها إذا كانت تقوم على منح جهة أجنبية صلاحيات استخدام الممتلكات العامة الفلسطينية دون موافقة أصحابها أو تعويضهم؟
إن فلسطين ليست شركة مفلسة تبحث عن مجلس إدارة، وليست أرضًا بلا شعب حتى يتقاسمها الساسة في واشنطن أو غيرها. وغزة ليست قطعة عقارية على طاولة صفقات القرن، بل جزء أصيل من فلسطين، ارتوت أرضها بدماء أهلها، ودفع شعبها أثمانًا باهظة دفاعًا عن حقه في البقاء والحرية.
إن من يظن أن دونالد ترامب، أو جاريد كوشنر، أو أي مسؤول أجنبي، يملك حق تقرير مستقبل غزة، فهو واهم. فحق تقرير المصير ليس منحة من رئيس أمريكي، ولا امتيازًا تمنحه قوة عظمى، بل حق أصيل تكفله الشرائع الدولية قبل أن تنص عليه المواثيق الأممية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن كل المشاريع التي حاولت تجاوز الإرادة الفلسطينية سقطت، مهما حظيت بالدعم السياسي والعسكري والإعلامي. فالاحتلال لم يستطع أن ينتزع هوية فلسطين، ولن تنجح المجالس المؤقتة أو المشاريع المستحدثة في انتزاعها اليوم.
إن أخطر ما تكشفه هذه الوثائق ليس فقط الحصانة القانونية، بل العقلية التي تقف خلفها؛ عقلية ترى أن الفلسطيني مجرد متلقٍ للقرارات، وأن أرضه يمكن أن تُدار من الخارج، وأن مستقبله يُكتب دون حضوره. وهذه ليست لغة سلام، بل لغة وصاية وهيمنة.
إن أي مشروع يتجاهل إرادة الشعب الفلسطيني محكوم عليه بالفشل، لأن الشرعية لا تُفرض بالقوة، والسيادة لا تُصادر بالقرارات، والأوطان لا تُدار بعقلية الشركات العابرة للحدود.
ومن يعتقد أن الأموال تستطيع شراء التاريخ، أو أن النفوذ السياسي يستطيع محو الحقوق، لم يقرأ تاريخ فلسطين جيدًا. فمنذ أكثر من قرن، تتغير الإدارات، وتتبدل الحكومات، وتسقط الإمبراطوريات، بينما تبقى فلسطين حاضرة في وجدان شعبها، عصية على التصفية، رافضة لكل مشاريع الإلغاء.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ بمنح الحصانات، بل بإزالة أسباب الظلم. ولا يبدأ بالاستيلاء على الأرض، بل بإعادتها إلى أصحابها. ولا يبدأ بتجاوز الفلسطينيين، بل بالاعتراف بحقوقهم الوطنية الكاملة، وفي مقدمتها حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
سيكتب التاريخ أن هناك من ظن أن بإمكانه إعادة رسم مستقبل فلسطين بتوقيع على ورقة، أو بقرار من مجلس، أو بإرادة رئيس. لكنه سيكتب أيضًا أن إرادة الشعوب كانت أقوى من كل الحسابات السياسية، وأن فلسطين لم تكن يومًا قضية قابلة للبيع أو المساومة أو الإدارة بالوكالة.
أما كل مشروع يقوم على الوصاية، ويتجاهل أصحاب الأرض، ويمنح نفسه سلطات فوق القانون، فلن يكون مصيره إلا الفشل، لأنه يصطدم بحقيقة لا تتغير: أن الأوطان لا يملكها إلا أهلها، وأن فلسطين لأهلها وحدهم، وأن غزة ليست جائزة حرب ولا غنيمة سياسة.
وسيذهب هذا المشروع، كما ذهبت مشاريع كثيرة سبقته، إلى مزبلة التاريخ، حيث ينتهي كل مشروع يقوم على إنكار حقوق الشعوب ومصادرة إرادتها






