لم يكن الوجوم الذي خيّم على القاعة يشبه ما سبقه…
فبعد المتهمين…
وبعد الأدلة…
أدرك الجميع…
أن الدور هذه المرة…
لن يكون على من فعل…
بل على من يعرف.
دخلت فلسطين…
وجلست على منصة العدالة.
لم تفتح ملفًا…
ولم تنظر إلى أحد.
بل قالت بصوتٍ هادئ…
كان أكثر رهبةً من الصراخ:
اليوم…
لن نستدعي متهمًا…
ولا دليلًا…
اليوم…
سنستدعي…
الشاهد الذي أخاف الجميع.
وقف حاجب المحكمة…
ورفع صوته:
فلتتفضل… الذاكرة.
ساد الصمت.
ثم فُتح باب القاعة ببطء.
دخلت امرأةٌ عجوز…
لا يُعرف عمرها.
كانت تحمل بين يديها صندوقًا قديمًا…
امتلأ بصورٍ باهتة…
ورسائل…
ووثائق…
ووجوهٍ غاب أصحابها.
قالت فلسطين:
من أنتِ؟
قالت:
أنا…
ذاكرة الوطن.
أنا التي لا يحرقها الورق…
ولا يمحوها الزمن.
أنسى أسماءً أحيانًا…
لكنني…
لا أنسى الأفعال.
ثم رفعت أول ورقة.
وقالت:
أتذكر…
حين وقف مسؤولٌ يعد الناس…
أن الغد سيكون أجمل؟
أتذكر…
كيف صفق الجميع؟
وأتذكر أيضًا…
أن الغد جاء…
ولم يجد الناس…
إلا الوعد نفسه…
وقد شاخ.
ورفعت صورةً أخرى.
وقالت:
وأتذكر…
شابًا كان يحمل شهادته…
ويحمل معها أحلام أمه.
ظل يطرق الأبواب…
حتى تعب الباب…
ولم يتعب الانتظار.
ثم غادر…
ولم يعد.
ورفعت صورةً ثالثة.
وقالت:
وأتذكر…
أمًّا كانت تخبئ دموعها…
كي لا يراها أطفالها.
كانت تكسر الرغيف نصفين…
ثم تدّعي…
أنها شبعت.
أتدرون…
كم مرة فعلت ذلك؟
أنا أعرف.
ثم التفتت إلى القاعة.
وقالت:
أنتم تخافونني…
لأنني لا أصدق رواياتكم…
أنا أصدق…
ما حدث.
لا أسمع الخطب…
بل أعدّ النتائج.
لا أحفظ الشعارات…
بل أحفظ…
من بقي واقفًا مع الناس…
ومن تركهم…
حين اشتد الطريق.
ثم اقتربت من منصة المحكمة…
ووضعت الصندوق أمام فلسطين.
وقالت:
سيدتي…
في هذا الصندوق…
وعودٌ لم تُنفذ.
وأماناتٌ لم تُؤدَّ.
وفرصٌ أُهدرت.
وأحلامٌ دُفنت…
قبل أن تولد.
وهنا…
وقف أحد الحاضرين…
وقال بصوتٍ مرتجف:
وهل يوجد في هذا الصندوق…
ما يديننا؟
فأجابته الذاكرة…
وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ موجعة:
لا…
هذا الصندوق…
لا يدين أحدًا.
أنتم…
من أدنتم أنفسكم…
حين ظننتم…
أن الناس تنسى.
وقفت فلسطين.
وأغلقت الصندوق بيديها.
ثم قالت:
دوّنوا…
قد يخدع الإنسان…
عيون الناس.
وقد ينجو…
من محكمة القانون.
وقد يختبئ…
خلف المناصب…
والألقاب…
والشعارات.
لكن…
لن يختبئ يومًا…
من ذاكرة وطن.
ثم رفعت مطرقتها…
وقالت:
ترفع الجلسة الثالثة…
على أن تستأنف المحكمة…
جلستها القادمة…
بعد أن يحضر…
الشاهد الأخير.
ذلك الشاهد…
الذي لا يستطيع أحد…
أن ينظر في عينيه طويلًا.
الشعب.