ببلوغرافيا كاتبٍ جعل من القصة وطناً، ومن القدس ذاكرةً لا تُستعاد إلا بالكتابة
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
ليس محمود شقير اسماً عابراً في المشهد السردي الفلسطيني والعربي، ولا مجرد قاصٍّ راكم عشرات الكتب خلال أكثر من ستة عقود؛ إنه واحد من أولئك الكتّاب الذين تحوّلت الكتابة عندهم من مهنة إلى قدر، ومن حرفة جمالية إلى شكل من أشكال الوجود والمقاومة وحفظ الذاكرة. وحين نستعيد تجربته اليوم، فإننا لا نقرأ سيرة كاتب فحسب، وإنما نقرأ في الوقت نفسه سيرة القدس، وسيرة جيل فلسطيني عاش النكبة والاحتلال والمنفى والعودة، وظلّ يكتب كي لا تتحول الأمكنة إلى مجرد أسماء، ولا الذاكرة إلى مقبرة صامتة.
ولد محمود عبد عليّان شقير في جبل المكبر بالقدس عام ١٩٤١، المدينة التي لم تكن بالنسبة إليه مكان الولادة والإقامة وحسب، بل كانت لاحقاً إحدى الشخصيات الكبرى في أدبه؛ مدينة تتنفس في قصصه، وتظهر في سيرته، وتتخفى في شخوصه، وتعود إليه كلما حاول أن يبتعد عنها. درس في القدس، ثم التحق بجامعة دمشق وحصل عام ١٩٥٦ على ليسانس الفلسفة والاجتماع، وهي خلفية معرفية أسهمت في تشكيل وعيه بالإنسان والمجتمع والتاريخ، وفي جعل أدبه يتجاوز الحكاية إلى مساءلة القيم والسلطة والحرية والعدالة والذاكرة.
بدأ شقير الكتابة في ستينيات القرن العشرين، ووجد في مجلة «الأفق الجديد» المقدسية فضاءً مبكراً لتجربته القصصية، إلى جانب حضوره في الصحافة المقدسية، ولا سيما «الجهاد». وكان ظهوره في تلك المرحلة جزءاً من جيل أدبي فلسطيني أخذ يتشكل في القدس، وضم أسماء أصبحت لاحقاً علامات في الثقافة الفلسطينية والعربية.
ومنذ البدايات كان واضحاً أن شقير لا يريد أن يكتب من برج عاجي؛ فقد انحاز إلى الإنسان العادي، إلى الفئات الشعبية، إلى المهمشين، إلى الأطفال الذين تصطدم أحلامهم بجدران الواقع، وإلى المدينة التي تتعرض ذاكرتها للاقتلاع. لذلك لم تكن فلسطين عنده شعاراً مضافاً إلى النص، وإنما كانت البنية العميقة التي تتحرك داخلها الشخصيات والأمكنة واللغة.
بين القلم والسجن والمنفى
دخلت التجربة السياسية والوطنية في حياته مبكراً، وانخرط في النشاط السياسي، الأمر الذي عرّضه للاعتقال من سلطات الاحتلال الإسرائيلي. اعتُقل عام ١٩٦٩ ، وبقي في الاعتقال الإداري نحو عشرة أشهر، ثم أعيد اعتقاله عام ١٩٧٤، وأُبعد إلى لبنان عام ١٩٧٥.
وهنا تتخذ تجربة شقير بعداً أنطولوجياً عميقاً: فالمنفى لم يكن انتقالاً جغرافياً فحسب، بل كان اقتلاعاً من المكان الذي صار لاحقاً جوهر مشروعه السردي. وحين ابتعدت القدس عنه، لم تختفِ من الكتابة، بل ازدادت حضوراً؛ فالمكان الغائب يتحول في الوعي إلى مكان أكثر كثافة، وتتحول الذاكرة إلى وطن بديل.
عمل في بيروت، ثم في عمّان، ثم انتقل إلى براغ عام ١٩٨٧ للعمل في مجلة «قضايا السلم والاشتراكية»، قبل أن يعود إلى عمّان، ثم عاد إلى فلسطين في أيار/مايو ١٩٩٣، ليقيم في القدس من جديد.
لقد كان المنفى، على نحو متناقض، الطريق الذي أعاد تشكيل علاقة شقير بالقدس. وحين عاد إليها لم يعد يراها بعين ابن المدينة وحده، بل بعين من فقدها طويلاً ثم استعادها؛ ولذلك أصبحت القدس في كتاباته ليست مدينة جغرافية، بل كائناً حياً، وذاكرة، وجرحاً، وحلماً، وهوية.
الصحافة والثقافة: الكاتب في قلب الحياة العامة
لم يكن محمود شقير كاتباً منعزلاً عن الحياة الثقافية، بل كان فاعلاً في مؤسساتها ومنابرها. شغل مواقع قيادية في رابطة الكتاب الأردنيين، وكان عضواً في هيئات ثقافية فلسطينية، وشارك في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.
وترأس أو أشرف على عدد من المنابر الصحفية والثقافية، منها صحيفة «الطليعة» المقدسية، ومجلة «دفاتر ثقافية»، وصحيفة «الجهاد»، وعمل في صحيفة «الرأي» الأردنية محرراً لشؤون الأراضي المحتلة، كما تولى أدواراً ثقافية وإدارية في وزارة الثقافة الفلسطينية.
وهكذا تداخلت في تجربته ثلاثة أدوار: المبدع، والمثقف العام، والصحفي. ولم تكن هذه الأدوار منفصلة؛ فالكاتب عند شقير هو نفسه المثقف الذي يرى أن الأدب لا يعيش خارج المجتمع، وأن الثقافة ليست زينة للحياة، بل إحدى أدوات وعيها ونقدها وإعادة تشكيلها.
محمود شقير والقصة: حين يصبح القصّ مشروع حياة
إذا كان لا بد من كلمة واحدة تختصر هوية محمود شقير الإبداعية، فهي: القاص.
لقد كتب الرواية والسيرة وأدب الأطفال والمسرح والرحلات واليوميات، وأسهم في كتابة المسلسلات التلفزيونية، لكنه ظل يرى في القصة القصيرة مجاله الأثير.
ومن مجموعته الأولى «خبز الآخرين» عام ١٩٧٥، أخذ مشروعه القصصي يتسع ويتطور، متكئاً على لغة دقيقة، واقتصاد سردي، وشخصيات تنتمي إلى الحياة اليومية، ووعي عميق بالتفاصيل الصغيرة.
إن شقير لا يكتب الحدث بوصفه حادثة، بل بوصفه نافذة على الإنسان. وقد يكون التفصيل صغيراً، لكن ظله النفسي والاجتماعي والسياسي كبير. وهذه إحدى علامات نضجه القصصي: تحويل الجزئي إلى كلي، واليومي إلى دال، والعابر إلى ذاكرة.
لقد ظلت قصته تتحرك بين الواقعية والرمز، بين الوثيقة والتخييل، بين السخرية والألم، وبين السياسي والإنساني، من غير أن تسقط في المباشرة أو الشعاراتية.
القصّة القصيرة جداً: اقتصاد اللغة واتساع الدلالة
يحتل محمود شقير موقعاً لافتاً في تطور القصة القصيرة جداً عربياً وفلسطينياً. ومن أعماله في هذا المجال: «طقوس للمرأة الشقية»، و*«صمت النوافذ»، و«مرور خاطف»، و«باحة صغيرة لأحزان المساء»، و«احتمالات طفيفة»* وغيرها.
والقصة القصيرة جداً عند شقير ليست قصة ناقصة، وإنما قصة شديدة الاقتصاد؛ فالكاتب يحذف ما يمكن حذفه، ويترك للقارئ مساحة المشاركة في إنتاج المعنى.
إنها كتابة تقوم على:
التكثيف، والاقتصاد، والإيحاء، والمفارقة، واللقطة، والقفلة المفاجئة.
وفيها يتحول الصمت إلى جزء من السرد، ويصبح المحذوف أكثر أهمية أحياناً من المكتوب.
ولعل تجربة شقير في هذا اللون تكشف عن وعيه العميق بمفهوم الاقتصاد الجمالي: كلمات قليلة، لكن خلفها طبقات من المعنى. حدث صغير، لكن وراءه تاريخ كامل. شخصية عابرة، لكنها تحمل مأساة مجتمع. ونهاية خاطفة، لكنها تترك القارئ أمام سؤال طويل.
وهنا يتجاور السرد مع الشعر دون أن تتحول القصة إلى قصيدة؛ فاللغة مشحونة بالإيحاء، والصورة حاضرة، لكن الحكاية لا تختفي.
الرواية: من القصة إلى الفضاء الروائي
لم ينتقل محمود شقير إلى الرواية انتقالاً مفاجئاً، فقد كانت بعض أعماله القصصية تحمل في داخلها بذوراً روائية واضحة. فكتب مثل «احتمالات طفيفة» و«القدس وحدها هناك» و«مدينة الخسارات والرغبة» يمكن أن تُقرأ في مستويات مختلفة، باعتبارها مجموعات قصصية مترابطة، أو نصوصاً تتجه نحو تشكيل فضاء روائي.
ثم جاءت «فرس العائلة» لتعلن حضور الرواية بصورة أكثر وضوحاً، وتلتها أعمال روائية وسردية مثل «مديح لنساء العائلة» و*«ظلال العائلة»*، فضلاً عن أعمال أخرى تشتغل على الذاكرة والمكان والعائلة والتحولات الاجتماعية.
وفي رواياته تتسع دائرة السرد من الفرد إلى الجماعة، ومن الأسرة إلى الوطن، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الفلسطينية.
فالعائلة عند شقير ليست مجرد رابطة بيولوجية؛ إنها استعارة للوطن، وللأجيال، ولتوارث الألم والأمل والذاكرة.
القدس: المدينة التي تسكن الكاتب
ليس من السهل أن نكتب عن محمود شقير من دون أن نكتب عن القدس؛ لأن القدس ليست موضوعاً من موضوعاته، وإنما هي المكوّن الجوهري في تكوينه الأدبي والوجداني.
لقد كتب عنها منذ أعماله الأولى، ثم أصبحت أكثر حضوراً بعد عودته من المنفى.
في «ظل آخر للمدينة» تستعيد القدس حضورها بوصفها مدينة وذاكرة وسيرة. وفي «القدس وحدها هناك» تتحول المدينة إلى بنية سردية كاملة، تتجاور فيها اليوميات والشهادة والتاريخ والقصص والتأملات.
أما «قالت لنا القدس» فتمنح المدينة صوتاً، وكأن الكاتب لا يكتب عنها فقط، بل يتيح لها أن تتحدث.
وفي كتاباته عن القدس، لا يقدم شقير المدينة بوصفها أيقونة مجردة؛ إنه ينزل بها من المجرد إلى اليومي: الشوارع، الأسواق، البيوت، الشبابيك، المقاهي، المدارس، الناس، الأدباء، الباعة، النساء، الأطفال، الذاكرة الشعبية.
وهذه هي قيمة مشروعه المقدسي: أنه أعاد إنساننة المدينة.
فالقدس في أدبه ليست حجراً مقدساً فحسب؛ إنها حياة بشرية كاملة، وحين يُعتدى على هذه الحياة فإن الاعتداء لا يقع على المكان وحده، بل على ذاكرة الإنسان وهويته وحقه في أن يكون.
ولذلك يمكن القول إن شقير يمارس نوعاً من المقاومة السردية للمحو: يكتب أسماء الأمكنة كي لا تُمحى، ويستعيد التفاصيل كي لا تصبح المدينة صورة باهتة في الكتب، ويكتب الناس كي يبقى الإنسان الفلسطيني حاضراً في المشهد.
السيرة: حين تتحول الذاكرة إلى وثيقة
في أعماله السيرية، ولا سيما «مديح لمرايا البلاد» و«أنا والكتابة: من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات» و«تلك الأمكنة» و«تلك الأزمنة» و«هامش أخير»، تتخذ الكتابة منحى اعترافياً هادئاً.
لا يكتب شقير سيرته ليصنع أسطورة عن نفسه؛ بل على العكس، يبدو حريصاً على تفكيك الأسطورة، وعلى الاقتراب من الإنسان بما له من ضعف وخجل وقلق وذكريات وانكسارات.
وهنا تكمن قيمة سيرته: صدقها الإنساني.
فالكاتب الذي عاش الاعتقال والمنفى والعمل الثقافي والعودة لا يقدم نفسه بطلاً أسطورياً، وإنما إنساناً عاش زمنه بكل تناقضاته، وترك للكتابة مهمة ترتيب الفوضى الداخلية.
ولهذا فإن سيرته الشخصية تتجاوز الفرد لتصبح وثيقة عن فلسطين والقدس والحياة الثقافية العربية منذ منتصف القرن العشرين.
الطفل في قلب مشروع شقير
من العلامات المضيئة في تجربته انشغاله المبكر بأدب الأطفال والفتيان.
كتب عشرات الأعمال الموجهة إلى هذه الفئة، ومنها: «الحاجز»، «الجندي واللعبة»، «أغنية الحمار»، «مهنة الديك»، «طيور على النافذة»، «الولد الذي يكسر الزجاج»، «تجربة قاسية»، «الملك الصغير»، «علاء في البيت الصغير»، «قالت لنا الشجرة»، «كلب أبيض ذو بقعة بيضاء»، وغيرها.
ولم يكن أدب الطفل عنده هامشاً في المشروع الإبداعي، بل كان جزءاً من رؤيته للإنسان.
إنه يعرف أن الطفل الفلسطيني لا يعيش طفولة عادية؛ لذلك يحاول أن يمنحه في الأدب ما تحرمه منه الحياة: الدهشة، واللعب، والخيال، والأمل، وحق السؤال.
ومن هنا فإن الكتابة للطفل عنده فعل أخلاقي وجمالي في آن واحد.
السخرية: أن تضحك في وجه القهر
تظهر السخرية في أعمال محمود شقير بوصفها سلاحاً جمالياً، خصوصاً في «صورة شاكيرا» و*«ابنة خالتي كوندوليزا»*.
إنها ليست سخرية من أجل الإضحاك، وإنما سخرية تكشف عبث الواقع وتعرّي السلطة وتمنح الإنسان المقهور لحظة تفوق رمزية على جلاده.
حين يعجز الإنسان عن تغيير العالم بالقوة، يستطيع أحياناً أن يهزمه بالسخرية.
ومن هنا تصبح المفارقة عند شقير موقفاً جمالياً وأخلاقياً: الضحك في مواجهة الخوف، والتهكم في مواجهة التسلط، والذكاء في مواجهة القسوة.
المسرح والتلفزيون: عابر الأجناس
لم يحصر شقير نفسه في جنس أدبي واحد؛ فقد كتب للمسرح، وشارك في كتابة عدد من الأعمال التلفزيونية، ومن بينها أعمال تناولت شخصيات وأحداثاً تاريخية واجتماعية.
ومن أعماله المسرحية: «ديمقراطي بالعافية»، «كله ع الريموت»، «تفاصيل صغيرة»، و«جمانة والأولاد».
كما كتب أو أسهم في كتابة أعمال تلفزيونية مثل «الكواكبي»، و«حدث في المعمورة»، و«الزيارة»، و«إبراهيم طوقان»، و«دروب لا تلتقي»، و«بيوت في الريح».
وهذا التعدد لا يبدو عنده رغبة في الاستعراض، بل امتداداً لإيمانه بالتجريب، وبأن الفكرة الجيدة يمكن أن تبحث عن شكلها المناسب خارج الحدود الصارمة للأجناس الأدبية.
أنطولوجيا الأعمال: خريطة ستة عقود من الكتابة
يمكن قراءة مسيرة محمود شقير الببليوغرافية بوصفها خريطة متدرجة لتطور السرد الفلسطيني والعربي الحديث، ومن أبرز عناوينها:
– خبز الآخرين ـ ١٩٧٥.
– الولد الفلسطيني ـ ١٩٧٧.
– طقوس للمرأة الشقية ـ ١٩٨٦.
– الحاجز ـ ١٩٨٦.
– الجندي واللعبة ـ ١٩٨٦.
– أغنية الحمار ـ ١٩٨٨.
– صمت النوافذ ـ ١٩٩١.
– قالت مريم.. قال الفتى ـ ١٩٩٦.
– ظل آخر للمدينة ـ ١٩٩٨.
– مهنة الديك ـ ١٩٩٩.
– أنا وجمانة ـ ٢٠٠٠.
– طيور على النافذة ـ ٢٠٠١.
– الولد الذي يكسر الزجاج ـ ٢٠٠١.
– تجربة قاسية ـ ٢٠٠١.
– مرور خاطف ـ ٢٠٠٢.
– الربان ـ ٢٠٠٣.
– صورة شاكيرا ـ ٢٠٠٣.
– ابنة خالتي كوندوليزا ـ ٢٠٠٤.
– باحة صغيرة لأحزان المساء ـ ٢٠٠٦ ٢٠٠٥ .
– الحطاب ـ ٢٠٠٤.
– الملك الصغير ـ ٢٠٠٤.
– علاء في البيت الصغير ـ ٢٠٠٤
– قالت لنا الشجرة ـ ٢٠٠٤.
– مدن فاتنة وهواء طائش ـ ٢٠٠٥.
– احتمالات طفيفة ـ ٢٠٠٦.
– كوكب بعيد لأختي الملكة ـ ٢٠٠٦.
– مرايا الغياب ـ ٢٠٠٧.
– مقعد رونالدو وقصص أخرى ـ ٢٠٠٧.
– شاربا مردخاي وقطط زوجته ـ ٢٠٠٧.
– كلب أبيض ذو بقعة بيضاء ـ ٢٠٠٨.
– الحي العجيب وقصص أخرى ـ ٢٠٠٩.
– القدس وحدها هناك ـ ٢٠١٠.
– قالت لنا القدس ـ ٢٠١٠.
– حكايات على ظهر فرس ـ ٢٠١٠.
– أحلام الفتى النحيل ـ ٢٠١١.
– مدينة الخسارات والرغبة ـ ٢٠١١.
– بنت وثلاثة أولاد في مدينة الأجداد ـ ٢٠١٢.
– مديح لمرايا البلاد ـ ٢٠١٢.
– الأعمال القصصية الكاملة ـ ٢٠١٢.
– فرس العائلة ـ ٢٠١٣.
– القدس مدينتي الأولى ـ ٢٠١٤.
– مديح لنساء العائلة ـ ٢٠١٥.
– في انتظار الثلج ـ ٢٠١٦.
– أنا وصديقي الحمار ـ ٢٠١٦.
– ظلال العائلة ـ ٢٠١٨.
– فدوى طوقان: الرحلة الأبهى ـ ٢٠١٨.
– أنا والكتابة: من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات ـ ٢٠١٨.
– تلك الأمكنة ـ ٢٠٢٠.
– بيت من ألوان: إسماعيل وتمام ـ ٢٠٢٢.
– تلك الأزمنة ـ ٢٠٢٢.
– حفيدة من هناك ـ ٢٠٢٥.
– إضافة إلى أعمال سردية وسيرية ونصوص أخرى صدرت خلال مسيرته الطويلة.
وهذه القائمة لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد سجل عناوين، بل بوصفها أرشيفاً إبداعياً لتحولات الكاتب وتحولات فلسطين معه.
الجوائز والتكريمات
توجت مسيرته بجملة من الجوائز والتكريمات، من أبرزها:
جائزة محمود درويش للحرية والإبداع ـ ٢٠١١، وكان من أوائل الحاصلين عليها.
جائزة القدس للثقافة والإبداع ـ ٢٠١٥.
جائزة دولة فلسطين في الآداب ـ ٢٠١٩.
جائزة فلسطين العالمية للآداب ـ ٢٠٢٣.
كما نالت أعماله ترجمات إلى لغات متعددة، من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والصينية والكورية والمنغولية والتشيكية وغيرها، وأصبحت تجربته موضوعاً لبحوث ودراسات أكاديمية في فلسطين والعالم العربي وأوروبا.
وفي عام ٢٠٢٦ اختير الأديب المقدسي محمود شقير شخصية العام الثقافية في فلسطين، في تكريم يضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتراف بمكانته في المشهد الأدبي الفلسطيني.
البعد الأنطولوجي في تجربة محمود شقير
إذا تجاوزنا الببليوغرافيا إلى الأنطولوجيا، أي إلى سؤال الوجود والمعنى والقيمة في هذه التجربة، فإننا سنجد أربعة محاور كبرى تحكم عالم محمود شقير:
الإنسان.
المكان.
الذاكرة.
الحرية.
الإنسان عنده ليس رقماً في التاريخ، وإنما مركز الحكاية.
والمكان ليس خلفية للأحداث، وإنما كائن له ذاكرته وملامحه وجرحه.
والذاكرة ليست استرجاعاً للماضي، وإنما مقاومة للنسيان.
أما الحرية، فهي القيمة التي تجعل الكتابة ممكنة وضرورية.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة شقير باعتبارها مشروعاً متكاملاً في مقاومة المحو: محو الإنسان، ومحو المكان، ومحو التاريخ، ومحو التفاصيل الصغيرة التي يتأسس منها معنى الوطن.
محمود شقير: الكتابة بوصفها أخلاقاً
ربما تكون إحدى أهم خصائص تجربته أنه لم يفصل الأدب عن الأخلاق.
فالكتابة عنده ليست موقفاً جمالياً وحسب، بل مسؤولية تجاه الإنسان.
ولهذا جاءت شخصياته في معظم الأحيان قريبة من الحياة: عامل، وطفل، وامرأة، ومثقف، ومعتقل، ومنفي، وعابر طريق، وشخص عادي يحمل في داخله تاريخاً غير عادي.
وهذا ما يجعل أدبه بعيداً عن البطولة المصطنعة؛ إنه يؤمن بالإنسان في هشاشته، وبقدرته على مقاومة القسوة دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من القاسي.
محمودان في سماء الأدب الفلسطيني
قد تبدو المقارنة بين محمود درويش ومحمود شقير كبيرة، لكنها ليست اعتباطية إذا نظرنا إليها من زاوية تاريخ الأدب الفلسطيني الحديث.
لقد منح محمود درويش فلسطين لغتها الشعرية الكونية، فيما منح محمود شقير الإنسان الفلسطيني فسحة واسعة في السرد، وفي القصة، وفي تفاصيل الحياة اليومية، وفي الذاكرة المقدسية.
درويش جعل الوطن قصيدة تتجاوز الحدود، وشقير جعل المكان حكاية تحفظ تفاصيله من الغياب.
وبين الشعر والسرد، بين القصيدة والقصة، تتشكل صورة فلسطين في الأدب العربي الحديث بأحد أجمل تجلياتها.
الكاتب الذي عاد إلى القدس، ولم تخرج القدس منه
محمود شقير ليس مجرد كاتب فلسطيني ولد في القدس؛ إنه كاتب كتبت القدس جزءاً من تكوينه قبل أن يكتب عنها.
دخل السجن، فحمل المدينة معه.
ذهب إلى المنفى، فصارت المدينة أكثر حضوراً.
عاد إليها، فاكتشف أن المكان الذي ظنه قد غاب عنه لم يكن غائباً قط؛ كان يسكن اللغة والذاكرة والحلم.
ولهذا تبدو أعماله، في مجملها، أشبه بسيرة طويلة لفلسطين من الداخل: فلسطين الإنسان، والبيت، والمرأة، والطفل، والشارع، والذاكرة، والاحتلال، والمنفى، والعودة.
لقد كتب محمود شقير أكثر من ستة عقود، لكنه لم يكتب ستة عقود من الكتب فقط؛ كتب ستة عقود من مقاومة النسيان.
وهنا تكمن قيمة تجربته الحقيقية.
فالأدب الذي يبقى ليس هو الأدب الذي يصف زمنه فحسب، بل الأدب الذي يستطيع أن يمنح الزمن ذاكرة.
ومحمود شقير فعل ذلك.
كتب القدس كي لا تتحول إلى صورة.
كتب الطفل كي لا يُختزل في الضحية.
كتب الإنسان كي لا تبتلعه السياسة.
كتب التفاصيل كي لا يربح النسيان معركته.
وكتب فلسطين لا بوصفها شعاراً، وإنما بوصفها حياةً كاملة تستحق أن تُروى.
لذلك، حين نضع أعمال محمود شقير في سياق الأدب الفلسطيني والعربي، فإننا لا نضع اسماً في قائمة، بل نضع تجربةً كاملة في سجل الذاكرة الثقافية: كاتباً جعل من القصة وطناً، ومن الذاكرة مقاومة، ومن القدس قلباً سردياً لا يهدأ.
وفي المحصلة، يظل محمود شقير واحداً من أبرز حراس الذاكرة الفلسطينية الحديثة؛ حارساً لا يقف على بوابة الماضي، وإنما يعيد بناء الماضي بالكلمات كي يظل المستقبل ممكناً.إذا رغبت، أستطيع أيضاً تحويل هذه المادة إلى دراسة نقدية أكاديمية أعمق عن محمود شقير، تتناول مشروعه من زوايا السرديات، والسيميائيات، والأنثروبولوجيا الثقافية، والهيرمينوطيقا، وعلاقة المكان بالذاكرة والهوية الفلسطينية، مع الحفاظ على اللغة الباذخة نفسها.