قبل عام تقريبا،كانت الشاشات الفضائية تنقل بالبث الحيّ المباشر،آخر إجتياح من الاجتياحات التي تعرض لها مخيّم جنين ،الذي حمل اسم ” السور الحديدي”،بعد فشل أكثر من مئة إجتياح تعرض خلال ثلاث سنوات،هذا المخيّم الذي لا تتجاوز مساحته الكليومترا مربعا،والذي يبلغ عدد سكانه نحو سبعة عشر الف نسمة،وقد كان هذا الاجتياح قاسيا داميا،حيث أدى خلال ساعاته الأولى لارتقاء ثلاثة عشر مواطنا من سكان المخيّم وجواره،وجرح العشرات،بعضهم بصورة خطيرة أدت لبتر اطرافهم او اصابتهم بالشلل والاعاقة،وقد نتج عن ذلك تشريد نحو عشرين الف مواطن من المخيّم والجوار تم القذف بهم لشتات ونزوح جديد في المدينة والمحافظة ذكّر بالنكبة الأولى عام 1948.وبعد أسبوع،وسًّعت هذه العملية لتشمل مخيّمي نورشمس وطولكرم في محافظة طولكرم،بنفس الأسلوب وبنتائج متقاربة.
وقد نفذت سلطات الاحتلال خلال تلك الفترة الطويلة من الاحتلال المباشر والسيطرة المتواصلة والتفريغ التام للسكان،نفذت عمليات هدم واسعة وممنهجة أدت لتغيير جغرافيا وديمغرافيا المخيّمات الثلاث،ومسحت صورها السابقة تماما،فقد تم هدم وتضرر آلاف المنازل والمحال التجارية والممتلكات الخاصة والعامة التي لم تعرف اعدادها بسبب منع أي كان سواء مؤسسات دولية او محلية من دخول المخيّمات،واجراء احصائيات دقيقة او حتى تقديرية،لكن الصور الفتوغرافية او الفيديوهات التي تستخدم بوسائط الزوم تؤشر الى تقسيم هذا المخيّمات لاعداد كبيرة من الاحياء المحاطة بالشوارع الواسعة والعريضة التي مسحت من امامها كلًّ عائق،سواء منازل او غير المنازل من اجل تفتيت بنية المخيّمات،حتى يتسنى لقوات الاحتلال سهولة تطويق و السيطرة على أي حيّ فيها في المستقبل.
وكأن الاحتلال في سياسته ضد مخيّم جنين ومخيّمي نورشمس وطولكرم،قد استرجع سياسة “الحلق” من أرشيف ارئيل شارون الذي مارس هذه الخطط ضد مخيّم جباليا في بداية سبعينيات القرن الماضي عندما دفعت الهجمات التي كانت تقودها مجموعات مسلحة فلسطينية في شمال قطاع غزة بقيادة محمد الأسود هناك ضد اليات الجيش الإسرائيلي في المخيّم وجواره،مما دفع شارون لتطبيق سياسة ما اطلق عليه الاعلام الإسرائيلي حينه سياسة ” الحلق”،وهي فتح شوارع عريضة بما لا يقل عن 40 مترا في مخيّم جباليا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا بغية تحقيق حركة سهلة في ملاحقة المقاومين،كما أدت تلك العملية في جباليا إلى تشريد مئات الاسر الغزّية الى مخيّمات الضفة مثل قلنديا ومخيم جنين ومخيم فحمة جنوب جنين،وقد تلاشت هذه الخطة مع مرور الوقت،وعاد سكان مخيّم جباليا المشردين الى بيوتهم.
لكن ما يحصل في المخيّمات الثلاث في شمال الضفة،هو اقسى واشد مما جرى في مخيّم جباليا في بداية العقد السابع من القرن الماضي،وذلك لان المخطط الذي ينفذ من قبل حكومة نتنياهو المتطرفة،له ابعاد سياسية عميقة،الهدف منها شطب قضية اللاجئين عمليا على الأرض،وما طلب وزير دفاع حكومة نتنياهو “إسرائيل كاتس” بإيجاد خطط لتنفيذ نفس السياسة التي تم تنفيذها في المخيّمات الثلاث لتطبق على باقي مخيّمات الضفة الأربعة والعشرين،كما وضع جيش الاحتلال شروطا تعجيزية لعودة النازحين من هذه المخيّمات بشروط قاسية ستجعلها مستقبلا قليلة السكان،فارغة تماما من مؤسسات الإغاثة وخاصة منع وكالة الغوث من العودة اليها،والشرط الثالث ان لا عودة لم هدم بيته تماما،كما أن من يريد العدوة بعد الانسحاب سيكون مشروطا بموافقة جيش الاحتلال على قوائم السكان،الذي سيستثني كلًّ من كان له وعليه ملفا “امنيا” مثل الاعتقال وغيره،وهذا يعني إذا ما طبق افراغ اغلب سكان المخيّمات الثلاث من سكانها.
إن ثمانية الالف عائلة،من المخيّمات الثلاث،عاشت خلال العام الفائت ظروفا معيشية صعبة وقاسية،تمثلت بفقدان هذه العائلات لممتلكاتها وحوائجها الاسياسية حيث خرجوا بملابسهم التي كانوا يرتدونها قسرا وتحت تهديد السلاح،وبدون مأوى،والاثاث اللازم،وفقدان العمل لأرباب الاسر،وصعوبة وغلاء البيوت المستأجرة،والبعد عن المدارس ومؤسسات الخدمات الحكومية والخاصة مثل المشافي ومراكز الصحة والأسواق، بالإضافة للتشتيت الاجتماعي،وضعف ما يقدم لهم من مساعدات قياسا مع طول المسافة الزمنية،وتراكم التكاليف الباهظة في ظل الوضع الاقتصادي العام الصعب،وضع هذه الاسر الثمانية الالاف في معاناة شديدة لا يبدوا لها نهاية،ولا يظهر لها حد.
إن عام كامل مر على هذا العائلات بكل مرارته،قد أعاد صور النكبة والنزوح منذ اكثر من سبعة وسبعين عاما،قد وضع حال هؤلاء المنكوبين امام مستقبل مجهول الا في اتجاه مزيدا من تلك النكبات المتلاحقة،في الوقت الذي يصر هؤلاء على العودة الى مخيّماتهم كخطوة نحو الامل الأكبر الذي لم ينكسر في قلوبهم بأن تكون خطوة العودة الصغرى لهذه المخيّمات توطئة للعودة الكبرى واغلاق مأساة التشرد الفلسطيني ضمن حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.






