مدرسة فرانكفورت وإعادة بناء مفهوم العقلنة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

شهدت ألمانيا بروز عددٍ من روّاد مدرسة فرانكفورت الذين نظروا إلى المشروع الغربي نظرةً نقدية متشائمة، من أمثال: هربرت ماركيوز، وماكس هوركهايمر، وثيودور أدورنو. وقد انتهى هؤلاء إلى خلاصة مفادها التشكيك في جدوى مشروع التنوير والحداثة، بل ذهبوا إلى القول بانسداد أفق الحداثة وتعثرها ونكوصها، معتبرين أن العقل الأداتي الذي أنتجته قد انقلب إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.
وقد عبّروا عن هذه الرؤية في عدد من أعمالهم الأساسية، مثل: «الإنسان ذو البعد الواحد» لماركيوز، و*«أفول العقل»* لهوركهايمر، و*«جدل التنوير»* لهوركهايمر وأدورنو. وجاءت هذه الأطروحات متزامنة مع صعود تيارات ما بعد الحداثة، مما عزّز التأكيد على الفكرة القائلة بالوظيفة المزدوجة للتقدم العلمي، بوصفه في آنٍ معاً قوةً إنتاجية وإيديولوجيا للضبط والسيطرة.
في المقابل، يؤكد الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر يورغن هابرماس أن مشروع الحداثة لم يكتمل بعد، رافضاً أطروحات القطيعة والنهاية، ومقترحاً بدلاً من ذلك إعادة بناء مفهوم العقلانية. وقد استند في ذلك إلى الإرث النظري لـ ماكس فيبر (ماكسيميليان كارل إميل فيبر)، عالم الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، وصاحب الإسهام البارز في تحليل البيروقراطية، ولا سيما في عمله الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية».
يرى فيبر أن المجالات المجتمعية الحديثة تخضع لمعايير الحسم العقلاني والتنظيم المنهجي، غير أنه — بحسب هابرماس — لم يتمكن من بلورة تأطيرٍ نظري شامل لعملية العقلنة في المجتمع الحديث. من هنا، يسعى هابرماس إلى إعادة صياغة المفهوم الفيبري ضمن إطار نظري أكثر تركيباً، يقوم على تمييز أنماط العقلانية، وتفكيك الإحالات والانزياحات التي لحقت بها، بما يسمح بإعادة مناقشة الأسس التي يقوم عليها نقد ماركيوز للعقلانية الفيبريّة، وكذلك الأطروحة القائلة بازدواجية التقدم العلمي بوصفه قوةً إنتاجية وأداةً إيديولوجية في آنٍ واحد.