مراسيم خيانة المسموطة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

حين تُقنَّن الرداءة وتُستأنس الخيانة
ليست الخيانة دائمًا طعنةً في الظهر، ولا تأتي دائمًا على هيئة صدمةٍ مدوّية؛ ثمة خيانات أهدأ من الهمس، أبرد من الاعتذار، وأخطر من السكين. تلك التي لا تُرتكب في العتمة، بل في الضوء، ولا تُدان، بل تُشرعن، ولا تُستقبح، بل تُقدَّم باعتبارها «حكمةً واقعية» أو «ضرورةً مرحلية». هنا، تحديدًا، تبدأ مراسيم خيانة المسموطة.
المسموطة ليست وصفًا للطعام بقدر ما هي توصيفٌ للروح حين تُسلق على نار الخوف، وتُقدَّم بلا نكهة، بلا حرارة، بلا شغف. هي الخيانة التي فقدت توترها الأخلاقي، وصارت ممارسةً يومية، تُؤدّى ببرودٍ إداري، كما تُوقَّع المراسيم أو تُختَم القرارات. خيانة لا تحتاج إلى متآمرين، بل إلى معتادين؛ أولئك الذين يتقنون فن التبرير أكثر مما يتقنون فن السؤال.
في هذا المناخ، تتحول القيم إلى عناوين عامة، ويُفرغ المعنى من محتواه، وتُدجَّن اللغة لتؤدي وظيفة التغطية لا الكشف. هنا، لا يُقال «خيانة»، بل «مرونة». لا يُقال «تنازل»، بل «واقعية». لا يُقال «سقوط أخلاقي»، بل «توازن مصالح». وهكذا تُسحب الكلمات من ساحتها الأصلية، وتُعاد صياغتها لتخدم الانحناء لا الوقوف. إن أخطر ما في هذه المراسيم ليس الفعل نفسه، بل اللغة التي تبرّره.
وحين يُصاب المثقف بعدوى هذه المسموطة، يصبح شاهد زورٍ أنيقًا. لا يصرخ، لا يحتج، لا يبرّر صراحة، لكنه يلوذ بالصمت المترف، ويُتقن الوقوف في المنطقة الرمادية، حيث لا موقف ولا مسؤولية. يتحول من حاملٍ للمعنى إلى موظفٍ في أرشيف التواطؤ، يكتب دون أن يهزّ، وينتقد دون أن يجرح، ويعارض دون أن يدفع ثمنًا. تلك هي الخيانة في أبهى طقوسها: أن تخون وأنت تظن نفسك نزيهًا.
أما السلطة، فتعرف جيدًا كيف تُدير هذه المراسيم. لا تحتاج إلى القمع وحده، بل إلى التطبيع؛ إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والعار إلى سلوك مألوف. تُدجَّن الجماهير عبر الخوف تارة، وعبر الإلهاء تارة أخرى، حتى يغدو السؤال عبئًا، والاحتجاج وقاحة، والكرامة رفاهية غير قابلة للصرف. وهكذا، لا تُفرَض الخيانة بالقوة فقط، بل تُتَبنّى بالإنهاك.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في السلطة ولا في النخبة، بل في الوعي الجمعي حين يتصالح مع الخيانة. حين يتوقف عن تسميتها باسمها، وحين يتعايش معها بوصفها قدرًا أو حيلة بقاء. في تلك اللحظة، تفقد المجتمعات مناعتها الأخلاقية، ويغدو الانحدار مسألة وقت لا أكثر. فالأمم لا تنهار حين تُهزم، بل حين تعتاد الهزيمة.
إن مقاومة مراسيم خيانة المسموطة لا تبدأ بالهتاف، بل باستعادة المعنى. باسترداد اللغة من أيدي المروّضين، وإعادة الشحنة الأخلاقية للكلمات، وفضح التبريرات التي تتخفى في هيئة عقلانية زائفة. تبدأ حين يرفض الفرد أن يكون جزءًا من الطقس، حين يصرّ على أن الخيانة، مهما تزيّنت، تظل خيانة.
في زمنٍ تتكاثر فيه الموائد الباردة، يصبح الحفاظ على حرارة الضمير فعلًا ثوريًا. أن تقول «لا» حيث يُتوقع منك الصمت، وأن تسأل حيث يُطلب منك التصفيق، وأن تنحاز للمعنى ولو وحيدًا. فالتاريخ لا يخلّد الذين أتقنوا المراسيم، بل الذين كسروها.
مراسيم خيانة المسموطة ليست قدرًا محتومًا، بل اختبارًا يوميًا:
إما أن نكون شهودًا صامتين على تبريد القيم،
أو حرّاسًا عنيدين لكرامة المعنى.