ابن فتح العتيقة
في التاريخ الفلسطيني رجالٌ يتحولون من مجرد أسماء إلى حالات وطنية متجذرة في الوعي الجمعي، لأنهم استطاعوا أن يختصروا في حضورهم معنى القضية، ومعنى الإنسان الفلسطيني وهو يواجه الاحتلال، ويحرس الذاكرة، ويحمل الوطن في قلبه حتى وهو خلف القضبان. ومن بين هؤلاء يبرز الأسير القائد مروان البرغوثي بوصفه واحداً من أهم الرموز الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
لم يكن البرغوثي مجرد قائد تنظيمي داخل حركة حركة فتح، بل كان حالة نضالية ممتدة في الوجدان الفلسطيني، جمعت بين صدق الانتماء، ونقاء الفكرة، والإيمان العميق بأن فلسطين ليست مجرد حدود جغرافية، بل حقيقة وجودية وتاريخية لا يمكن اقتلاعها من الوعي الفلسطيني مهما اشتد القهر وطال الزمن.
لقد استطاع مروان البرغوثي أن يفرض حضوره داخل السجن وخارجه، وأن يحافظ على صورته الوطنية نظيفة من شوائب المصالح الضيقة، فبقي قريباً من الناس، من المخيم، ومن الحلم الفلسطيني الأول. ولذلك، لم ينظر إليه الفلسطينيون كسياسي عابر، بل كامتداد طبيعي لرمزية القائد الشهيد ياسر عرفات، مع اختلاف السياقات والأدوات والظروف التاريخية.
فالبرغوثي يحمل شيئاً من روح عرفات الكفاحية، لكنه يضيف إليها صلابة التجربة داخل الأسر، وقدرة خاصة على مخاطبة الوعي الفلسطيني المعاصر، في زمنٍ تتكاثر فيه الانقسامات والتشظيات. ولهذا بقي اسمه حاضراً في الوعي الشعبي الفلسطيني باعتباره رمزاً للوحدة الوطنية، ورمزاً لإمكانية استعادة المشروع الوطني الفلسطيني من حالة التعب والتراجع.
إن ما يميز مروان البرغوثي ليس فقط تاريخه النضالي، بل أيضاً صدقه السياسي، وإدراكه العميق لطبيعة الصراع مع الاحتلال، وفهمه أن الهوية الفلسطينية ليست تفصيلاً عابراً في التاريخ، وإنما هي جوهر الوجود الفلسطيني ذاته. ولذلك، ظل متمسكاً بفلسطين كقضية تحرر وطني، لا كقضية إدارية أو إنسانية فقط.
ورغم كل محاولات التشويه أو الإقصاء، بقي البرغوثي حاضراً في ضمير الناس، لأن الشعوب في لحظات التحول الكبرى تبحث دائماً عن الرموز الصادقة التي تشبه وجعها وأحلامها. ومن هنا، فإن حضوره لم يعد حضور فرد، بل حضور فكرة وطنية كاملة ترى أن فلسطين أكبر من الانقسام، وأكبر من المصالح العابرة.
ختاماً أقول:
إن سعا ليك فتح، وكل العابرين في تفاصيل المشهد الفلسطيني، لا يستطيعون إلغاء الحقائق الكبرى الراسخة في وجدان الشعب الفلسطيني. وستبقى الحقيقة تقول إن مروان البرغوثي يمثل اليوم حالة وطنية جامعة، ومعنى نضالياً متجذراً، وأملاً فلسطينياً قادماً، لأن الأوطان لا يحرسها إلا الصادقون المؤمنون بحقها التاريخي في الحياة والحرية والكرامة.








