باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية
وباحث أكاديمي
ليس الحديث عن مروان البرغوثي حديثاً عن أسير فلسطيني فحسب، بل عن فكرة وطنية، وعن إمكانية تاريخية لإعادة تصويب المسار الفلسطيني في لحظة سياسية بالغة التعقيد. فوجود مروان، أو غيابه القسري خلف القضبان، لم يعد شأناً شخصياً ولا حتى فصائلياً، بل بات مسألة تتصل مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
يمتلك مروان البرغوثي ما تفتقده الساحة الفلسطينية اليوم: شرعية نضالية حقيقية، وقبولاً شعبياً واسعاً، وقدرة على مخاطبة الفلسطينيين بلغة الوحدة لا الانقسام. وهي عناصر لم تعد ترفاً سياسياً، بل شرطاً ضرورياً لإعادة بناء الثقة بين الشعب وقيادته، ولإنهاء حالة التيه السياسي التي يعيشها المشروع الوطني.
إن إطلاق سراح مروان البرغوثي لا يشكّل مكسباً رمزياً فقط، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهو :-
اولاً :-
يُسقط إلى الأبد مقولة «لا شريك فلسطيني قادر على صنع السلام»، وهي المقولة التي استخدمتها إسرائيل طويلاً ومعها نتنياهو الراحل لتبرير الاحتلال وإدامة الصراع. فمروان، بما يمتلكه من رصيد نضالي، هو الشريك الذي يستطيع أن يتخذ قرار السلام دون أن يُتهم بالتفريط، وأن يضبط الداخل الفلسطيني دون أن يفقد شرعيته.
ثانياً:-
يشكّل مروان البرغوثي عاملاً توحيدياً نادراً في لحظة انقسام حاد بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فحضوره السياسي قادر على إعادة الاعتبار لفكرة الوحدة الوطنية، ليس كشعار، بل كممارسة سياسية قائمة على الشراكة والتوازن، وعلى إنهاء منطق الشرعيات المتنازعة.
وثالثاً:-
فإن مروان البرغوثي لا يطرح سلام الضعف ولا سلام الإملاءات، بل سلاماً قائماً على الحقوق والعدالة والندية. سلاماً يربط الأمن بالحرية، والاستقرار بإنهاء الاحتلال، ويؤسس لإمكانية العيش المشترك بين شعبين على أرض واحدة، ضمن حل الدولتين، بعيداً عن أوهام الإلغاء أو الهيمنة.
من هنا، فإن المطالبة بإطلاق سراح مروان البرغوثي ليست مطلباً عاطفياً، بل موقف سياسي عقلاني يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا، ويصب في صالح الاستقرار الإقليمي، ويمنح المجتمع الدولي فرصة حقيقية للتعامل مع قيادة فلسطينية قادرة على تحمل مسؤوليات السلام وصناعته.
إن مروان البرغوثي اليوم ليس أسير زنزانة، بل أسير معادلات سياسية تخشى الوحدة، وتخشى الشرعية، وتخشى السلام العادل. أما تحريره، فهو خطوة باتجاه تحرير القرار الفلسطيني نفسه، واستعادة البوصلة الوطنية، وفتح أفق جديد لمستقبل لم يعد يحتمل الانتظار.







