جاري التحميل...

مروان… حين يتحطم السيف على صخور المنافي

أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع المعاصر – جامعة الجزائر 2

في الأساطير الكبرى، لا ينتصر البطل لأنه يمتلك السيف الأقوى، بل لأنه يحمل الإيمان الأعمق. ومن هذا الأفق الرمزي ينهض مروان، لا بوصفه رجلاً فحسب، بل بوصفه حارساً للأرض، وابناً شرعياً لذاكرتها، وشجرةً ضاربة الجذور في ترابها.
لقد أنبتته سهول كوبر، وحملته حجارة الوطن كما تحمل الأم طفلها الأول. تشكل وعيه من سنابل القمح، ومن زيتون فلسطين، ومن رائحة التراب بعد المطر. لذلك لم تكن علاقته بالأرض علاقة ملكية، بل علاقة وجود؛ فهو يؤمن أنها له، ويؤمن في الوقت نفسه أنه لها، وأن الإنسان لا يكتمل إلا إذا أصبح جزءاً من جغرافيا وطنه وتاريخه.
وفي المقابل، يظهر بن غفير في هذا المشهد بوصفه رمزاً لصراع الإرادات والرؤى المتناقضة، لا لأن المعركة معركة أشخاص، وإنما لأنها معركة بين تصورين للأرض: تصور يرى فيها وطناً وهويةً وذاكرةً، وتصور آخر يجعلها موضوعاً للقوة والسيطرة. وهكذا، في الصورة الأدبية، يتحطم السيف على صخور المنافي، لأن السيف مهما اشتد لا يستطيع اقتلاع ذاكرةٍ تسكن الإنسان قبل أن يسكن الأرض.
ويؤمن مروان أن قوة الروح هي القوة التي لا تُهزم؛ فهي التي تقهر المادة عندما تتجرد من معناها، وتتجاوز التكنولوجيا حين تنفصل عن القيم، وتجعل الإنسان قادراً على الصمود حين تعجز الحسابات العسكرية عن تفسير سر بقائه.
ومن غزة، تلك المدينة التي تحولت في الوجدان العربي إلى رمز للصمود، تتجسد هذه الفكرة. فهناك، في المخيال الأدبي، بدا وكأن العين قد انتصرت على المخرز، وكأن السيوف تكسرها صخور الأرض قبل أن تكسر إرادة أهلها. وهناك سال الدم حتى بدا نهراً من الألم، لكنه بقي، في الوعي الجمعي، شاهداً على أن الشعوب قد تنزف، لكنها لا تتخلى بسهولة عن ذاكرتها وهويتها.
إن التاريخ يعلمنا أن القوة قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تمنح نفسها شرعية الذاكرة، ولا أن تصنع انتماءً حقيقياً. فالحق، في وجدان المؤمنين به، ليس مجرد وثيقة، بل علاقة روحية عميقة بين الإنسان وأرضه، علاقة تتجاوز حدود الزمن والسياسة.
ولهذا يبقى مروان، في هذه الصورة الرمزية، بطلاً أسطورياً، لا لأن الأسطورة تهرب من الواقع، بل لأنها تمنح الواقع معناه الأخلاقي والإنساني. إنه الحارس الذي يقف عند بوابة الزمن، ليقول إن الأوطان لا يحرسها الحديد وحده، بل يحرسها الإيمان والذاكرة والصبر.
وفي النهاية، حين يسقط غبار المعارك، وتخفت أصوات البنادق، يبقى ما لا تستطيع الحروب محوه: جذور الإنسان في أرضه، وإصراره على الحياة. وهناك، ينبت الزرع، وتنبت الحقيقة في بساتين فلسطين من جديد، ويظل الزيتون شاهداً على أن الأرض تعرف أبناءها، وأن الروح، مهما طال ليلها، لا بد أن تنتصر على السيف.