مسؤولة أمنية إسرائيلية: الفجوة تتسع بين الخطاب الرسمي والواقع العسكري

السياسي – منذ قرابة عامين ونصف، تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي عدوانها في مختلف الجبهات المجاورة، لكن القناعة السائدة في أوساطها بأن الفجوة تتسع بين توقعات الرأي العام، والواقع العسكري، لاسيما في ضوء تكرار مفردات “قضينا”، و “دمرنا”، و “أزلنا نهائياً”، لكن الواقع الأمني اليوم يبدو أكثر تعقيداً.

الرئيسة السابقة لمديرية الأمن القومي، وعضو منتدى ديبورا الأمني، العقيد تاليا لانكري، أكدت أن “تنسيق التوقعات بين القيادة السياسية والرأي العام شرطاً أساسياً للصمود في وقت الحروب التي لا تنتهي بنصر كامل، بل بعملية طويلة من الإضعاف والردع، ويجب أن تُفضي في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية، وأحياناً إلى اتفاق سلام، لأنه في كل حرب، هناك ساحة معركة مفتوحة، وساحة أخرى، أقل حديثاً لكنها لا تقل أهمية، وهي الوعي العام”.

وأضافت في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أنه “خلال العامين والنصف الماضيين، اتسعت الفجوة في “إسرائيل” بين توقعات الرأي العام والواقع العسكري، فكثيراً ما تُطلق فيها تصريحات مفادها أننا “قضينا” أو “دمرنا” أو “أزلنا نهائياً” التهديد الذي تُشكّله منظمات مثل حماس وحزب الله، لكن الواقع الأمني أكثر تعقيداً، فهذه المنظمات ليست مجرد بنى تحتية عسكرية، بل في جوهرها فكرة وأيديولوجية وشبكة اجتماعية سياسية، ولذلك، حتى الإنجازات العسكرية الكبيرة لا تُفضي عادةً لزوالها التام”.

وأشارت أنه “في القرن التاسع عشر، صاغ المفكر العسكري كارل كلاوزفيتس مبدأً لا يزال سارياً حتى اليوم، وهو أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، والجيش أحد أذرع السلطة السياسية، ولذا يجب ترجمة الإنجازات العسكرية لأهداف سياسية واضحة وواقعية، فعندما تعد التصريحات العامة الصادرة عن الحكومة والجيش بنصر كامل، بينما يكون الواقع إضعافاً تدريجياً للعدو، تنشأ فجوة تُقوّض ثقة الجمهور الإسرائيلي”.

وأوضحت “أن المؤسسة الأمنية نفسها لا تُصوّر الواقع عادةً على أنه زوال تام، بل ينبع هذا الخطاب في معظمه من مصالح حزبية وسياسية، وتدفع الحاجة لتوجيه رسالة للجمهور أحيانًا لإصدار تصريحات أكثر وضوحًا، بل إنه على المدى البعيد، قد تُلحق هذه التصريحات ضررًا بثقة الجمهور عندما تتضح الحقائق المعقدة، كما حدث مؤخرا مع وابل صواريخ حزب الله الذي تجاوز 200 صاروخ باتجاه الشمال”.

وأضافت أن “الخبرة المتراكمة في مكافحة التنظيمات المسلحة تفيد أن الهدف الواقعي ليس التدمير الكامل، بل إلحاق ضرر مستمر بالقدرات، وإضعاف العناصر، والحد من وسائلهم الحربية، والإضرار بسلسلة القيادة والتنظيم، لأنها استنزاف تراكمي، وليست نصرًا حاسمًا لمرة واحدة، حتى بعد العمليات الناجحة، يمكن لمنظمات مثل حماس أن تستمر في الوجود، وإن كانت أضعف، لكنها لا تزال نشطة، دون تهديد بشن غارة على مستوطنات غلاف غزة”.

وأشارت أنه “في الساحة الشمالية يتمثل أحد الأهداف الرئيسية ضد حزب الله في خلق واقع أمني خالٍ من تهديد شن غارة على مستوطنات الجليل، وهو سيناريو أصبح ملموسًا بعد هجوم السابع من أكتوبر في الجبهة الجنوبية، والمعنى العملي هو إبعاد قوة الرضوان عن الحدود، ونقلها لما وراء نهر الليطاني، والحدّ من قدرتها على نشر قوات هجومية قرب المستوطنات الشمالية”.

وأضافت أنه “في الوقت نفسه، تشمل الحملة الأوسع نطاقًا منظومة وكلاء إيران الإقليميين، والفكرة الاستراتيجية بسيطة وتتمثل بأنه عندما تُضعف قدرات “رأس الأخطبوط”، تتأثر قدرة الوكلاء على العمل، بعبارة أخرى، يُمكن أن يُضعف إلحاق الضرر بالبنية التحتية الاستراتيجية لإيران، ونظام دعمها، المنظمات المسلحة العاملة لصالحها بمرور الوقت”.

وأكدت أنه “توجد أهداف عملياتية واضحة، وهي الحدّ من قدرات إطلاق الصواريخ، وتدمير منصات الإطلاق، وأنظمة الإنتاج، وإضعاف قدرات المؤسسة العسكرية، ومحاولة تعزيز مؤسسات الدولة في لبنان، والحدّ من أنشطة حزب الله والمنظمات المسلحة الأخرى، لكن حتى هذه الإنجازات لا تضمن واقعًا خاليًا من التهديدات، لأن الواقع الاستراتيجي لـ”إسرائيل” يتطلب أحيانًا وجودًا أمنيًا، طويل الأمد، في مناطق معينة”.

واستدركت بالقول إن “قيام “إسرائيل” بعمليات عسكرية في مناطق معادية في غزة ولبنان وغيرها، تعكس مفهومًا أمنيًا يهدف لإنشاء منطقة عازلة، وتقليل خطر التهديد المباشر للجبهة الداخلية، لكن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بترجمة هذه العمليات إلى تسوية سياسية، ومع ذلك، لا يمكن للقوة العسكرية وحدها في نهاية المطاف ضمان الإزالة الكاملة والدائمة للتهديد الأمني، لأن وضوح الأهداف السياسية، والاتفاقيات المستقرة، وأحيانًا اتفاقيات السلام، هي الآلية الوحيدة القادرة على تحويل الإنجازات العسكرية المؤقتة إلى أمن دائم”.

وأضافت أنه “عندما تُدار التوقعات بشكل غير واقعي، قد يؤدي خيبة الأمل للإضرار بثقة الجمهور بالدولة والجيش، حتى وإن كانت الإنجازات العملياتية كبيرة، لهذا السبب تحديدًا، لا يستطيع الجيش القضاء على الأفكار أو الأيديولوجيات، لكنه قادرٌ بالتأكيد على إضعافها، وإلحاق الضرر بها، وردعها بمرور الوقت، وفي نهاية المطاف، لا يُمثّل النصر في الحرب ضد المنظمات المسلحة لحظةً فارقةً، بل عملية مستمرة من تآكل القدرات، وتقليصها”.

تشير هذه السطور الإسرائيلية إلى تخفيض واضح في سقف الأهداف من الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين، بعد أن كان القضاء على قوى المقاومة، واقتلاعها، بات اليوم التخلص من تهديداتها الأمنية، بل والدعوة لعقد اتفاقات سياسية، على اعتبار أن أكثر الإنجازات العسكرية ستبقى مجرد فصلٍ آخر في الحرب، تتآكل، بل وتُنسى أحيانًا بمرور الوقت.