الجميع يعرف ان من تسبب لنا بكل هذا الخراب لم يكن “مقاومة”، بل هو عبارة عن فرقة مسرح جوّالة تجيد الإضاءة وتعشق المؤثرات الصوتية وتنسى أن الجمهور ليس دمى من ورق. على الخشبة يقف خطيب يصرخ باسم الكرامة وخلف الستارة تُعدّ بيانات “النصر المؤزر”، وأمام الشاشة بيت مهدوم يبحث عن عنوان جديد، فيما يُطلب من الناس التصفيق احتراماً لعلو الصوت لا لصدق النتيجة.
نتحدث عن عرض طويل بعنوان الإدارة الثورية وهي من بطولة جماعة اسمها حماس احسن منتج اسرائلي عرفه التاريخ وصاحبة براءة الاختراع في الإخراج الدائم للأزمات وإعادة بث لكل كارثة على أنها إنجاز استراتيجي عابر للخيبات. فعندهم كل خسارة حكمة وكل عزلة صمود وكل حصار فرصة ذهبية، حتى صار الخراب مورداً متجدداً وصار الركام مادة إعلامية قابلة لإعادة التدوير كما النفايات وصار السؤال عن النتائج نوعاً من سوء الأدب السياسي ان لم يكن حرام شرعا.
هم لا يبنون مشروعا وإنما يبنون رواية والرواية أهم من الواقع، أما الواقع فمجرد تفصيل مزعج يمكن تغطيته ببيان طويل وكلمتين عن الثوابت او خسائر تكتيكية ثم يشعلون المشهد ويخطبون فوق ناره ويرفعون السقف حتى ينهار ثم يقولون إن الانهيار جزء من الخطة الكبرى وكأن الناس خُلقت لتكون ديكوراً في مسرح دائم.
الأطرف من العرض نفسه جمهور الصف الأول أولئك الذين يتعاطفون بخجل او بعار أو يصمتون بدهاء او خسة أو يهمسون ب“لكن…” ثم يختفون خلف ستارة الحياد المزعوم. هؤلاء لا يصفقون بأيديهم بل يصفقون بصمتهم وكل صمت في حضرة هذا المشهد هو مشاركة في الإخراج واشياء أخرى وكل تبرير هو مسمار جديد في خشبة المسرح.
ثم نصل إلى الفقرة الكوميدية السوداء حين يخرج علينا من يدّعي زورا أنه منتمي إلى حركة فتح النبيلة ويرتدي اسمها كما تُرتدى ربطة عنق في حفل رسمي ثم ينحاز ولو بالصمت إلى هذا العرض العبثي ويتحدث عن الحكمة وهو يقصد البقاء ويبدأ يتحدث عن التوازن وهو يقصد الكرسي المغتصب من قلبه ويتحدث عن الواقعية وهو يقصد إطالة إقامته العفنة في الموقع أطول مما احتملته أعصاب الناس، ويظن أن الجماهير لا ترى الفرق بين المبدأ والمصلحة.
نقولها بلا مواربة وسامحونا ،سنهاجم سياسياً وفكرياً كل من يدّعي الانتماء إلى حركة فتح النبيلة ثم يتحول إلى جدار صامت أمام عبث العملاء (اقصد الآخرين)أو إلى جسر عبور لمصالحهم أو إلى شاهد زور يكتفي بالمشاهدة حفاظاً على موقعه. نقول له ولامثاله فتح ليست دار ضيافة للصامتين المتخاذلين ولا مظلة لمن ينتظر نهاية العرض ليختار الفائز .فتح مشروع وطني لا يحتمل أنصاف المواقف.
لقد أتقنوا فن تحويل كل أزمة إلى مهرجان خطابي وكل مواجهة إلى صورة بانورامية وكل كارثة إلى فرصة لإعادة ترتيب المشهد بما يضمن بقاء “الأبطال “أنفسهم في الواجهة. أما الوطن فليس مشهداً مسرحياً ولا منصة خطابة ولا موسماً انتخابياً دائماً، الوطن بيت ومن يحول البيت إلى خشبة ثم يطلب منا التصفيق فعليه أن يحتمل صفير الاستهجان بطريقة الشعب الفلسطيني العظيم .
نحن نبحث عن عقل يحسب قبل أن يصرخ وعن شراكة تنهي الانقسام بدل أن تستثمر فيه وعن مشروع لا ينهار كلما انتهت الكاميرات من التصوير. وحتى يحدث ذلك سيبقى هذا العرض قائماً بمهرّجيه وجمهوره الصامت وأبطاله الذين يظنون أن الستارة لن تُسدل أبداً .لكن الستارة تُسدل دائماً والتاريخ لا يحتفظ إلا بمن صمد فعلاً لا بمن صرخ طويلاً.





