مضيق هرمز… هل يشطر ضفتي الاطلسي

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

احدثت الحرب الامريكية-الاسرائيلية ضد إيران اتساعاً في خطوط الصدع الممتدة في العلاقة الخاصة التي جمعت الولايات المتحدة بدول الاتحاد الاوروبي، في ظل مناخات فكرية جديدة انعكست في مجملها على آليات عمل ومواقف اعضاء حلف الناتو المتسقة تاريخياً مع المصالح الامريكية منذ نشأت الحلف عام 1949 لمواجهة الكتلة الشرقية.

مع دخول ترامب البيت الابيض وإطلاق العقيدة الجديدة “أمريكا اولاً”. وضعت الادارة الجمهورية مصالحها على رأس سلم الاولويات في العلاقة مع الدول الاوروبية. بدأت بفرض رسوماً اضافية لزيادة تمويل الانفاق الدفاعي لنشاطات حلف الناتو العسكرية من 2% الى 5% تتناسب مع اجمالي الناتج المحلي لكل دولة من دول النادي العسكري الاقوى في العالم. ولم يتوقف ترامب عند هذا الحد، بل صعد من مواقفه تجاه بروكسل التي بات ينظر اليها باعتبارها عبئاً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وفرض على صادراتها للولايات المتحدة رسوماً جمركية تراوحت بين 10 و25% قابلة للزيادة؛ تحت مبررات تعديل الميزان التجاري المائل.

إجراءات ترامب الموجهة ضد حلفاء واشنطن الغربيين لم تتوقف على فرض الرسوم والمساهمات المالية، بل امتدت للمطالبة بالاستحواذ الكامل على الكنز الثمين المغطى تحت الجليد في جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، أقرب حلفاء امريكا؛ تحت مبررات الحفاظ على الامن القومي الامريكي وقطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي المتنامي في الجزيرة. “أنا أحب الشعب الصيني، وأحب الشعب الروسي، لكنني لا أريدهم جيراناً لغرينلاند، هذا لن يحدث”.

ضمن هذا التوجه في تجاوز الخطوط الحمراء، عززت إدارة ترامب النهج الانفرادي في السياسة الخارجية الامريكية بعيداً عن التشاور او مراعاة مصالح حلفاءه الاوروبيين، وأطلق رؤيته للسلام الهادفة لانهاء الحرب الروسية-الاوكرانية التي بدأت نهاية فبراير من العام 2022، بعد ابرامه مطلع العام 2025 صفقة تمنح واشنطن حق الوصول والاستحواذ على الموارد الطبيعية والثروات الحيوية لأوكرانيا؛ كنوع من سداد الديون المترتبة عليها والناجمة عن المساعدات العسكرية المتراكمة على الدولة الاوكرانية.

امام كل هذه الإجراءات الاحادية، وجد حلفاء واشنطن على الضفة الشرقية للأطلسي أنفسهم في موقف حرج؛ يتسم بالعجز عن التأثير او احداث تغيير ملموس في توجهات السياسة الخارجية الامريكية؛ وغير قادرين ايضاً على اتخاذ قراراً موحداً للرد على هذه السياسات. ورغم الجهود الدبلوماسية المكثفة لرؤساء الدول الاوروبية ولقاءاتهم المتواصلة مع ترامب لوقف هذه الاجراءات وضمان مقعد على طاولة المفاوضات الدائرة مع روسيا وإيران، إلا ان هذه الجهود لم تفلح في ثني سياسات ترامب.

مع إطلاق شرارة الحرب الامريكية-الاسرائيلية على إيران فجر 28 شباط فبراير، بدأت الاشارات الحمراء تومض في العواصم الاوروبية، وخاصة الدول الفاعلة في حلف الناتو -فرنسا، المانيا ايطاليا وبريطانيا بعد تجاهل إدارة ترامب التنسيق مع هذه العواصم حفاظاً على عنصر المفاجأة لطهران. هذا السلوك الامريكي غير التقليدي في العلاقة الخاصة مع دول الحلف، دفع رؤساء الدول الاعضاء لاتخاذ موقف غير مسبوق لم تعتد عليه واشنطن منذ العام 1949، وأعلن الاوروبيون حالة شبه الحياد المائل؛ على الرغم من تأييدهم لأهداف الحرب وفي مقدمتها منع إيران من امتلاك اسلحة الدمار الشامل. والاكتفاء فقط بوضعية الدفاع عن مصالحهم.

اتسعت الشقوق في العلاقة مع دخول الحرب اسبوعها الثالث، مع توقف خمس سلاسل امدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز بفعل السيطرة الايرانية على الملاحة في المضيق، وبدء مؤشر اسعار النفط والغاز بالارتفاع الخطير وسط ازمة عالمية باتت تلوح في الافق. وسط هذا المشهد غير المحسوب، حاول ترامب سحب خيوط الدول الاوروبية والآسيوية لإعلان تحالف بحري يهدف الى ارغام طهران على فتح المضيق امام ناقلات النفط وسفن الامداد العالمية بالقوة العسكرية قبل ان تأخذ الازمة منحنيات خطيرة. لكن الرد الاوروبي ولأول مرة لم يتأخر كثيراً في الاتجاه المعاكس لرغبات ترامب “هذه ليست حربنا ونحن لم نشنها”، تقول كايا كالاس المفوضة العليا للسياسة الخارجية والأمن للاتحاد الأوروبي. ويضيف ستارمر رئيس الوزراء البريطاني “حل ازمة مضيق هرمز لم تكن أبداً مهمة لحلف الناتو”. وهو ذات الموقف الذي دافع عنه ماكرون “نحن لسنا طرفاً في هذا النزاع، ولذلك لن تشارك فرنسا أبداً في أي عمليات تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز”.

مواقف حلفاء واشنطن الذين أعلنوا بوضوح عصيان الاوامر؛ اثارت غضب ترامب وأخرجته عن اللياقة الدبلوماسية المعهودة عبر الاطلسي ودفعته للتهديد العلني بعواقب وخيمة و”مستقبل شديد السوء” إذا تقاعس حلف الناتو عن المشاركة في فتح مضيق هرمز، “إذا لم يكن هناك استجابة أو كانت الاستجابة سلبية، أعتقد أن ذلك سيكون سيئاً جداً لمستقبل الناتو”. صرح ترامب. وفي أحدث تغريداته على موقعه تروث سوشال وصف ترامب دول الناتو بــ “الجبناء” وانهم “مجرد قوة جوفاء ونمر من ورق بدون امريكا”. قبل ان يتراجع ليؤكد انه “لا يحتاج لمساعدة حلف الناتو”.

تثير الحرب الامريكية-الاسرائيلية على إيران تفاعلات حادة وتدفع -قبل انتهاءها، نحو إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الاقليمية والدولية، وتفرض نفسها على خارطة التحالفات المستقبلية، ليس فقط في منطقة الشرق الاوسط؛ بل تمتد لتطال العلاقة الخاصة التي جمعت الولايات المتحدة بحلفائها الغربيين منذ عقود، وتُنبئ بخضوع التحالف لإعادة تقييم -على الاقل من جانب ترامب، حتى في حال تم فتح مضيق هرمز امام حركة الملاحة البحرية برغبة ايرانية او بالقوة العسكرية الامريكية بصورة منفردة، كما تشير الحشودات الامريكية الجديدة في المنطقة.

في هذا السياق، تُظهر أزمة مضيق هرمز تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار العلاقات الدولية، حيث لم تعد الهيمنة الامريكية قادرة على فرض منطقها الأحادي على اعضاء الناتو وحتى الدول الحليفة لواشنطن كما كانت في السابق. بينما يرى ترامب ان حلف الناتو ليس أكثر من ثقبٍ اسود لا يتوقف عن ابتلاع موارد وثروات واشنطن، وطالما شكك في قيمة هذا التحالف عند الحاجة للدفاع عن المصالح الامريكية باعتباره “طريقاً باتجاه واحد…نحن نحميهم لكنهم لا يفعلون شيئاً لنا عند الشدة”. يرى حلفاؤه في الشطر الشرقي ان استراتيجية حليفهم لا تتعلق بالقيم؛ وليس لها علاقة بدعم الديمقراطية؛ ولا ترتبط بالدفاع عن المبادئ التي طالما اعتبرها الأوروبيون أمراً غير قابل للنقاش. ويزدادون يقيناً الان ان استراتيجية ترامب لا تتعدى كونها استخدام فائض القوة العسكرية لتحقيق المصالح الأمريكية اولاً بعيداً عن مصالحهم الحيوية.

عند هذه النقطة، يجد الحليفان نفسيهما أمام قرار تاريخي يتطلب تحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بإعتبارها مسألة وجودية لا مجرد خيار سياسي. فهل تتحول أزمة مضيق هرمز إلى محفّزٍ يدفع إدارة ترامب نحو تفعيل آليات الانسحاب المنصوص عليها في المادة (13) من ميثاق حلف شمال الأطلسي، أم أن أوروبا نفسها ستبادر، ولأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى كسر نمط التبعية التاريخية لواشنطن، عبر بلورة سياسة مستقلة تعيد تعريف موقعها ودورها في النظام الدولي بعيداً عن الفلك الامريكي.

إن الإجابة عن هذا التساؤل لن تحدد فقط مصير حلف الناتو، بل سترسم ملامح مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية، وتفتح الباب أمام نظام دولي متعدد الاقطاب او الاطراف، يكون اكثر قدرة على حفظ الامن والاستقرار الدوليين.