السياسي -متابعات
يحاول عالم الرياضيات الفرنسي لوران بوجو-منجويه، الأستاذ في جامعة كلود برنار ليون، استخدام النماذج الرياضية لفهم كيفية تطور العلاقات العاطفية.
ويعتمد الأمر، على تحليل عوامل مثل قوة الانجذاب بين الشريكين، وتراجع المشاعر بمرور الوقت، وطريقة استجابة كل طرف للآخر، إضافة إلى تأثير الضغوط والخلافات.
ويعرض بوجو-منجويه هذه الأفكار في كتابه الجديد “Love! Valour! Equations! Mathematics of the Couple”، الذي يجمع بين الرياضيات وعلم النفس والأدب والسينما، بهدف تفسير أسباب استمرار بعض العلاقات رغم الأزمات، وانهيار أخرى.
ولا تمثل هذه الأفكار تجربة سريرية أو دراسة نهائية، بل تستند إلى عقود من الأبحاث التي استخدمت نماذج الأنظمة الديناميكية لفهم الظواهر المعقدة، ومنها العلاقات الإنسانية.
ويرى الباحث أن الهدف ليس التنبؤ بمن سيقع الإنسان في حبه أو تحديد موعد الانفصال، بل فهم الظروف التي تساعد العلاقة على استعادة توازنها بعد الأزمات، أو تدفعها تدريجيًا نحو التراجع.
من علم البيئة إلى الحب
وتستند هذه النماذج إلى معادلات رياضية استُخدمت أصلًا لدراسة نمو التجمعات الحيوانية والتفاعلات البيئية، مثل نماذج النمو السكاني ومعادلات لوتكا-فولتيرا الخاصة بعلاقة المفترسات والفرائس.
ومن المفاهيم التي استُعيرت من علم البيئة “تأثير ألي”، الذي يشير إلى وجود حد حرج تحتاجه بعض التجمعات للحفاظ على استقرارها. ويعتقد بوجو-منجويه أن العلاقات قد تعمل بطريقة مشابهة؛ إذ يمكن أن يؤدي انخفاض مستوى الترابط العاطفي إلى ما دون حد معين إلى مسار يصعب معه استعادة الاستقرار.
لكن هذه النماذج لا تعني وجود “رقم سحري” يمكنه تحديد مصير العلاقة، بل تساعد على دراسة كيفية تغير المشاعر والسلوكيات بمرور الوقت، والعوامل التي تجعل العلاقة أكثر استقرارًا أو هشاشة.
الخلافات ليست العامل الوحيد
وتشير النماذج إلى أن الخلافات بحد ذاتها ليست المشكلة الأساسية، بل إن قدرة العلاقة على التعافي بعد الصدمات هي العامل الأهم. فالضغوط المهنية، والمشكلات المالية، والمرض، وتحديات الحياة اليومية، يمكن أن تؤثر في العلاقة، لكن مدى قدرتها على العودة إلى التوازن يحدد مسارها.
وتعتمد النماذج على ثلاثة عوامل رئيسة: مستوى الانجذاب المتبادل، ومعدل تراجع المشاعر مع الزمن، وطريقة استجابة كل شريك لمشاعر وسلوك الطرف الآخر.
كما يدخل عامل الزمن في هذه الحسابات، إذ قد يكون تأخر الرد على الخلافات مفيدًا أحيانًا لمنح فرصة للهدوء، لكنه قد يؤدي في حالات أخرى إلى تراكم التوتر.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
ويرى بوجو-منجويه أن الجمع بين هذه النماذج والذكاء الاصطناعي قد يتيح مستقبلًا تطوير أدوات لرصد أنماط العلاقات والتنبيه إلى مؤشرات الخطر، لكنه يؤكد أن تطبيق ذلك عمليًا لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
فالإنسان أكثر تعقيدًا من أي نظام رياضي، والمشاعر لا يمكن قياسها بدقة كما تقاس الظواهر الطبيعية. كما تختلف العلاقات باختلاف الثقافات والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
ولا تقدم الرياضيات وصفة للحب الدائم، لكنها تشير إلى أن العلاقات الإنسانية، رغم تعقيدها، قد تحتوي على أنماط يمكن دراستها، وأن بقاء العلاقة قد يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الشريكين على استعادة التوازن بعد الأزمات.