في مجتمع يرزح تحت الاحتلال والحصار والانقسام، لا تكون معركة الفلسطينيين عسكرية أو سياسية فقط، بل إعلامية أيضًا. فالكلمة التي يُفترض أن تحمي الحقيقة قد تتحول إلى أداة تضليل، والخبر الذي يُفترض أن ينير الوعي قد يصبح سلاحًا لتمزيقه. بين إعلام يبحث عن الإثارة، وآخر يختزل الواقع في رواية حزبية ضيقة، يجد الفلسطيني نفسه أمام خطر داخلي يهدد ثقته بذاته وبمجتمعه، ويجعل الحقيقة أول الضحايا.
في اللحظات التاريخية الصعبة، لا يأتي الخطر دائمًا من الخارج. أحيانًا يتسلل من الداخل، متخفّيًا في هيئة “خبر عاجل” أو “سبق صحفي” أو منشور يدّعي تمثيل الرأي العام. هنا تبدأ معركة أخرى لا تقل خطورة عن المواجهة المباشرة: معركة الوعي. فالإعلام، الذي يفترض أن يكون مرآة للحقيقة وسلطة رقابية على القوة، قد يتحول حين يفقد معاييره المهنية إلى أداة تضليل وهدم. وفي الحالة الفلسطينية، حيث الكلمة قد تكون آخر خطوط الدفاع، يصبح العبث بالمعلومة اعتداءً مباشرًا على المجتمع.
الإعلام الأصفر هو التعبير الأوضح عن هذا الانحراف. فهو يعيش على الإثارة الرخيصة، ويتغذى على التحريض، ويزدهر في بيئات الأزمات. لا يسأل إن كان الخبر دقيقًا أو موثقًا، بل إن كان قادرًا على إثارة الضجة وجذب الانتباه. تُقتطع التصريحات من سياقها، وتُصاغ العناوين بشكل مضلل، وتُستخدم الصور خارج إطارها، وتُشحَن اللغة بالكراهية والتخوين. وبدل أن تساعد الصحافة الجمهور على الفهم، تدفعه إلى الانفعال والغضب.
النتيجة ليست مجرد أخطاء مهنية، بل بيئة إعلامية مشوشة يفقد فيها الناس ثقتهم بكل شيء. تختلط الشائعة بالمعلومة، ويتساوى الخبر الملفق مع الخبر الموثق، ويصبح الضجيج أعلى من الحقيقة. ومع الوقت، يتراجع الوعي العام، وتصبح العواطف هي المحرك الأول للمواقف.
في السياق الفلسطيني، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة. فالمجتمع يعيش تحت احتلال مستمر وضغوط اقتصادية وإنسانية خانقة، إلى جانب انقسام سياسي واجتماعي عميق. في مثل هذه البيئة، لا يمر الخبر الكاذب مرور الكرام. إشاعة واحدة قد تدمر سمعة إنسان، واتهام غير موثق قد يزرع الشك بين فئات المجتمع، وحملة تحريض قد تعمّق الشروخ القائمة أصلًا. وهكذا يتحول الإعلام غير المسؤول إلى عامل إنهاك داخلي، يستهلك طاقة المجتمع بدل أن يعزز صموده.
الأخطر أن هذا النمط من الإعلام يحوّل الاختلاف في الرأي إلى تهمة. فبدل أن يكون النقاش مساحة طبيعية للتعددية، يصبح ساحة تخوين. كل صوت مستقل يُقدَّم كخصم، وكل رأي ناقد يُصوَّر كتهديد. ومع الوقت، تضيق مساحة الحوار ويحل منطق الاصطفاف الأعمى محل التفكير الحر: معنا أو ضدنا. في مجتمع يناضل من أجل الحرية، تبدو هذه المفارقة قاسية؛ إذ يُقمع الرأي المختلف باسم الوطنية نفسها التي يُفترض أن تحمي التنوع.
وإلى جانب الإعلام الأصفر، يبرز تحدٍ آخر لا يقل خطورة: الإعلام الحزبي الضيق. هذا النمط لا يعتمد دائمًا على الكذب المباشر، لكنه يمارس انتقائية حادة في عرض الوقائع. ما يخدم الحزب يُضخّم، وما يحرجه يُهمّش أو يُتجاهل، فتتحول المنصة الإعلامية إلى نشرة دعائية بدل أن تكون مساحة عامة للمجتمع. لا تُقدَّم الصورة كاملة، بل رواية أحادية تُفصَّل على مقاس التنظيم.
المشكلة هنا ليست في الانتماء السياسي بحد ذاته، بل في غياب المهنية. حين يصبح الولاء معيارًا للحقيقة، تفقد الصحافة وظيفتها الرقابية. وبدل أن تحاسب السلطة، أياً كانت، تتحول إلى أداة لتبريرها. وهكذا تُختزل القضية الوطنية في مصلحة فصيل، ويُختزل الوطن في خطاب ضيق، ويتكرّس الانقسام بدل أن يُعالَج.
حين يجتمع الإعلام الأصفر مع الإعلام الحزبي، تتقلص المساحة المشتركة للحقيقة. يمتلئ المجال العام بالشعارات والصراخ بدل الوقائع، وتتحول المنصات إلى أدوات تعبئة لا أدوات معرفة. يفقد الإعلام دوره في توحيد المجتمع حول الحقائق الأساسية، ويصبح عاملًا إضافيًا في تعميق الشكوك والانقسامات. وبدل أن يكون حصنًا يحمي الجبهة الداخلية، يتحول إلى ثغرة تُستنزف منها الثقة والطاقة.
مواجهة هذه الظواهر ليست مهمة الصحفيين وحدهم، بل مسؤولية جماعية. فالجمهور ليس متلقيًا سلبيًا. إعادة نشر خبر غير موثق، أو تداول إشاعة، أو المشاركة في حملات تشهير، يعني المساهمة في تكريس المشكلة. الوعي الإعلامي اليوم ضرورة وطنية، والسؤال عن المصدر والتحقق من المعلومات ورفض الانجرار خلف التحريض خطوات بسيطة لكنها قادرة على حماية المجتمع من كثير من الأذى.
وفي المقابل، يتحمل الصحفيون المهنيون مسؤولية مضاعفة في الدفاع عن معايير المهنة: الدقة، والإنصاف، وحق الرد، واحترام كرامة الأفراد. فحرية التعبير لا تعني الفوضى، بل تعني مسؤولية أكبر تجاه الحقيقة وتجاه الناس.
في زمن الحصار والدم، لا يحتمل الفلسطينيون إعلامًا يطعنهم من الداخل. هم بحاجة إلى صحافة مسؤولة تضع الحقيقة فوق المصالح الضيقة، وتحترم عقول الناس قبل مشاعرهم، وتفتح مساحات للنقاش بدل التخوين. فالكلمة الحرة، مهما كانت قاسية، تبقى أشرف ألف مرة من خبر كاذب يُنشر باسم الوطن. وحين تتحول الحقيقة إلى بوصلة، يصبح الإعلام قوة حماية وبناء، لا أداة هدم وانقسام.
*ناشط سياسي وكاتب عربي فلسطيني عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام / شيكاغو.






