معركة الوعي ضد الجهل والهيمنة: الكفاح المعرفي بوصفه مشروعاً للتحرر.

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

«إنّ العقل لا يُولد حرّاً، بل يُحرّر نفسه بالمعرفة.»
– اقتباس تأويلي مستلهم من فكر كانط.
ليست المعرفة مجرّد تكديسٍ للمعلومات أو تراكمٍ للمفاهيم، بل هي فعلٌ تحرّري، وصيرورةٌ نقدية، وساحةُ صراعٍ مستمرّ ضد أشكالٍ متعدّدة من التسلّط والاغتراب. إنّ الكفاح المعرفي، بهذا المعنى، ليس ترفاً فلسفياً ولا خياراً نخبوياً، بل هو شرطٌ وجوديّ لأي نهضةٍ فكرية، وأي مشروعٍ تحرّري يسعى إلى فهم الواقع وتغييره. وهذا الكفاح يتطلّب جهداً مزدوجاً: تفكيك بُنى الجهل والتلقين، وبناء بدائل عقلانية تستجيب لتعقيدات الإنسان والعالم.
أولاً: في مفهوم الكفاح المعرفي
يمكن تعريف الكفاح المعرفي بأنه الصراع المستمر الذي يخوضه الفرد أو الجماعة من أجل تحصيل المعرفة الحرة، ونقد البُنى المعرفية المهيمنة، وإنتاج نماذج فكرية بديلة قادرة على تفكيك الهيمنة وإعادة تشكيل الوعي. فهو ليس مجرّد تحصيل أكاديمي، بل موقفٌ فلسفي يربط بين الفكر والحرية، وبين المعرفة والسلطة، وبين العقل والتحرر.
وقد أشار الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو إلى أنّ المعرفة ليست بريئة، بل هي دوماً متورّطة في علاقات السلطة. ومن هنا، يصبح الكفاح المعرفي معركةً ضد تطويع العقل ضمن ما سمّاه «أنظمة الحقيقة»، أي تلك البُنى التي تُنتج خطاباً يُقدَّم بوصفه حقيقةً نهائية، في حين أنّه يخدم سلطةً بعينها.
ثانيًا: مستويات الكفاح المعرفي
الكفاح ضد الجهل المؤسَّس
ليس الجهل مجرّد غيابٍ للمعرفة، بل هو أحياناً منظومةٌ ثقافية كاملة تقوم على التلقين والخرافة وتقديس السلطة ورفض النقد. وهذا ما يجعل الكفاح المعرفي يبدأ أولاً بمعركةٍ داخل الذات، ضد ما وصفه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا بـ«العبودية التي يصنعها الإنسان بجهله».
الكفاح ضد الهيمنة الرمزية
أشار أبرز مفكري مدرسة فرانكفورت، مثل أدورنو وهوركهايمر، إلى أنّ العقل ذاته قد يُختطف من قِبل أنظمة الهيمنة عبر «عقلنة التسلّط» و«تشييء الوعي». وفي هذا السياق، لا تكون الهيمنة سياسيةً فحسب، بل معرفية أيضاً، من خلال فرض أنماط تفكير محدّدة وإقصاء البدائل.
الكفاح من أجل إنتاج معرفة بديلة
المعرفة لا تُنتَج في فراغ، بل ضمن شروطٍ تاريخية ومجتمعية. ويتمثّل الكفاح المعرفي هنا في تحرير أدوات التفكير، وتنويع مصادر الفهم، والانفتاح على التأويل والتعددية. وهذا ما مارسه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في دعوته إلى «الهيرمينوطيقا المتعدّدة»، وما دعا إليه إدوارد سعيد في كتابه «المثقف والمنفى»، حيث شدّد على ضرورة إنتاج خطاب معرفي خارج مؤسسات الهيمنة الغربية.
ثالثًا: الكفاح المعرفي في السياق العربي:
في السياق العربي، اتخذ الكفاح المعرفي بُعدًا أكثر تعقيداً بسبب تراكب أنظمة الاستبداد السياسي، والثقافة التقليدية، والتبعية المعرفية. وقد حاول مفكرون، مثل محمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، وحسن حنفي، خوض هذا الكفاح من مواقع مختلفة:
سعى الجابري إلى نقد البنية المعرفية للعقل العربي.
وحاول طه عبد الرحمن تأصيل مشروع معرفي قائم على الأخلاق الإسلامية.
أمّا حسن حنفي، فانشغل بمحاولة استعادة الذات الحضارية عبر مشروعٍ تراثي ذي نزعة ثورية.
غير أنّ الكفاح المعرفي لم يخلُ من الاستلاب أو التسييس، الأمر الذي يستدعي اليوم إعادة طرح السؤال: كيف نعيد بناء فكرٍ عربي تحرّري، نقدي، ومنفتح، من دون الوقوع في أسر المركزيات، سواء الغربية أم التراثية؟
رابعاً: الكفاح المعرفي بوصفه فعلًا وجودياً
الرهان الأهم في الكفاح المعرفي هو تحرير الإنسان من اغترابه الفكري. وكما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، فإنّ «الوجود الأصيل» لا يتحقّق إلا حين يختار الإنسان التفكير ضد السائد، والإنصات لنداء الكينونة لا لضجيج الدوغمائيات. وهنا يصبح الكفاح المعرفي إعادةَ اعتبارٍ للتفكير بوصفه أعلى درجات الوجود، لا مجرّد وسيلة نفعية.
خاتمة:
الكفاح المعرفي هو الطريق الطويل نحو الحرية الحقيقية، حيث يصبح الفكر مقاومة، والمعرفة سلاحًا، والوعي حركةً دائمة لا تركن إلى يقينٍ جامد ولا تستسلم لوهمٍ مريح. إنّه معركةٌ ضد الجهل، وضد النمطية، وضد التبعية، من أجل إنسانٍ حرّ في فكره، خلّاقٍ في فهمه، ومسؤولٍ في أفعاله.