جيفري كمب
تتزايد التكهنات بشأن ملامح السياسة الأميركية في أعقاب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. وتفترض التوقعات السائدة أن «الديمقراطيين» سيستعيدون السيطرةَ على مجلس النواب، في حين يصعب التنبؤ بمن سيسيطر على مجلس الشيوخ، إذ قد يحتفظ «الجمهوريون» بأغلبية ضئيلة، رغم أن بعض المقاعد التي كانت تُعتبر في السابق مضمونةً تبدو الآن معرضةً للخطر. وستكون للنتائج تداعيات كبيرة على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بسياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران.
وإذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، فسيصبحون المتحكمين في النفقات المالية. ومن الناحية النظرية، قد يمنحهم ذلك نفوذاً كبيراً على ميزانية الدفاع ويجعل من الصعب على ترامب مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران. وثمة سابقة تاريخية لذلك، ففي عام 1973 استخدم الكونغرس تشريعات المخصصات المالية لحظر تمويل العمليات القتالية الأميركية في فيتنام وكمبوديا ولاوس، كما أقر «قرار سلطات الحرب» متجاوزاً بذلك حق النقض «الفيتو» الذي استخدمه الرئيس ريتشارد نيكسون. وقد أثبتت تلك الواقعة أن الكونغرس قادر على فرض قيود كبيرة على السياسة العسكرية الرئاسية عندما يمتلك الإرادة الكافية.
غير أن هناك تعقيداً مهماً، إذ لن يتولى الكونغرس الجديد مهامَّه إلا في يناير 2027. وخلال الفترة الفاصلة بين انتخابات نوفمبر وبدء عمل الكونغرس الجديد، سيظل ترامب طليق اليد في مواصلة سياسته الراهنة. ويرى بعض المراقبين أن الأسابيع التي تلي الانتخابات قد تشهد مرحلة بالغة الخطورة، إذ قد تستغل الولايات المتحدة تفوقها العسكري لتكثيف الهجمات على إيران، أو حتى نشر قوات خاصة في مواقع قريبة من مضيق هرمز، وذلك في السيناريو الأكثر حدةً.
وسيكون لدى القادة الإيرانيين دوافع قوية للرد، سواء باستهداف القوات والقواعد الأميركية أو بمهاجمة السفن التجارية. ومن شأن مواجهة كهذه أن تتوسع بسرعة لتتجاوز نطاق الصراع الأصلي، لا سيما وأن الخطر سيتفاقم بفعل حالة عدم اليقين السياسي السائدة في كل من واشنطن وتل أبيب.
وتظل قضية الانتشار النووي المسألة الأكثر إلحاحاً على المدى الطويل، وإذا لم تسفر الدبلوماسية عن اتفاق يمنع إيران من تطوير سلاح نووي، فقد تخلص قوى إقليمية أخرى إلى أن تسلك المسار ذاته. ومن شأن وجود شرق أوسط يضم عدة قوى نووية أن يخلق مستوى خطِراً من عدم اليقين.
وتواجه إسرائيل لحظة سياسية حاسمة، فمن المقرر أن تُجري انتخاباتها العامة في 27 أكتوبر، أي قبل أيام قليلة فقط من انتخابات التجديد النصفي الأميركية. ويخشى القوميون المتشددون أن تؤدي حكومة لا يشارك فيها بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف إلى التراجع عن بعض عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وإعادة فتح الباب أمام احتمالية قيام دولة فلسطينية مستقبلاً. وقد يؤدي تشكيلُ حكومة إسرائيلية تميل أكثر نحو الوسط، بالتزامن مع فوز الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، إلى تغيير المشهد السياسي المحيط بقضية المستوطنات بشكل جوهري.
ولطالما كان الديمقراطيون من أقوى داعمي إسرائيل لعقود، لا سيما في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023. غير أن هذا الدعم لم يعد أمراً تلقائياً أو خالياً من التعقيدات السياسية كما كان في السابق، إذ بات الناخبون الأميركيون الأصغر سناً يوجهون انتقاداتٍ متزايدةً لحكومة نتنياهو ولطريقتها في إدارة الحرب في غزة. ونتيجةً لذلك، شهدت علاقاتُ إسرائيل مع حلفائها الديمقراطيين التقليديين توتراً متزايداً.
ومن ثم، تستحق الأشهر المقبلة اهتماماً خاصاً، إذ عادةً ما يرتبط شهرا نوفمبر وديسمبر بالعطلات والأعياد، لكنهما قد يتحولان العام الحالي إلى فترة من القلق المتزايد. وقد يؤدي التزامن بين انتقال سياسي في الولايات المتحدة، وانتخابات إسرائيلية، والحرب غير المحسومة في غزة، واحتمال تجدد الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى مزيج خطير من عدم اليقين العسكري والاقتصادي والسياسي. إن ما يحدث خلال الأسابيع القليلة المقبلة قد لا يحدد مستقبلَ الشرق الأوسط فحسب، بل أيضاً استقرارَ النظام الدولي الأوسع.
*نقلا عن “الاتحاد”