في السياسة الفلسطينية هناك قاعدة غير مكتوبة تقول:
إذا طال الانتظار بما يكفي… سيتحول الخطأ إلى سياسة والسياسة إلى واقع والواقع إلى شيء يشبه القدر الذي لا يجوز الاقتراب منه.
وقبل أن يبدأ أحد برمي الحجارة في كل الاتجاهات دعوني أقولها بكل صراحة و وضوح:
كنت ولا زلت أعتقد أن خيار السلام الذي تجسد في اتفاق أوسلو لم يكن خطيئة بحد ذاته، بل محاولة سياسية جريئة للخروج من نفق الدم الطويل.
لكن المشكلة في الشرق الأوسط ليست في الاتفاقات… بل في الذين يوقعونها ثم يقررون لاحقًا دفنها تحت الجرافات.
وهكذا، وبهدوءٍ يليق بالمآسي الكبرى قررت القيادة الفلسطينية يومًا ما أن تدخل التاريخ مرة اخرى من بابه الواسع، فمدّت يدها إلى السلام ووقّعت اتفاقًا مع إسرائيل، على أمل أن يتحول الحلم إلى دولة وأن تتحول البنادق إلى مفاتيح بيوت.
كانت الفكرة بسيطة… بل بسيطة جدًا
نحن نلتزم بالسلام… وهم يلتزمون بالسلام… ويقف العالم شاهدًا على حسن النوايا.
لكن يبدو أن السلام في الشرق الأوسط يشبه تلك اللافتة التي تُعلّق على باب متجر مغلق
“سنعود بعد قليل”… ثم يمر ثلاثون عامًا ولا يعود أحد.
لقد التزمت السلطة الوطنية الفلسطينية بما طُلب منها تقريبًا…
بل إن البعض يعتقد أنها التزمت أحيانًا بما لم يُطلب منها أصلًا، فقط من باب حسن السلوك الدولي.
أما إسرائيل، فقد تعاملت مع الاتفاق بطريقة أكثر إبداعًا !!!
وقّعت عليه بالحبر… ثم مسحته بالجرافات.
وبين التوقيع والمسح كانت الأرض تتآكل قطعةً قطعة حتى صارت الضفة الغربية تشبه خريطة لجبنة سويسرية… ثقوب كثيرة وجيوب متناثرة ومساحة سياسية تتقلص كل يوم.
أما الولايات المتحدة، التي كانت تُقدَّم دائمًا بوصفها الراعي النزيه فقد اكتشفت فجأة أن النزاهاة مفهوم مرن بحيث يمكن تعديله بحسب المزاج السياسي في واشنطن.
كنا نعتقد أن الضغط الأمريكي سيقود إسرائيل إلى تنفيذ الاتفاق…
لكن اتضح لاحقًا أن الضغط كان يمارس باتجاهٍ معاكس… مثل ريحٍ تهب دائمًا في وجه القارب الفلسطيني.
ثم جاءت المرحلة العربية…
فرفعت السلطة صوتها قائلة:
يا إخوة العروبة… يا أهل الشهامة… يا من كتبتم في خطبكم أن فلسطين هي القضية المركزية!
فجاءها الرد…
ليس بالصوت… بل بالصمت.
فالعالم العربي، كما يبدو كان مشغولًا آنذاك بإعادة ترتيب أولوياته
اقتصاد هنا… حرب هناك… أزمة هنا… وأحيانًا مباراة كرة قدم أكثر إلحاحًا.
وهكذا وجدت السلطة نفسها وحيدة في منتصف الطريق
سلام بلا سلام…
دولة بلا دولة…
وخريطة تتقلص مثل قميص قُطنيّ غُسل بالماء الساخن.
كانت الضفة وغزة يومًا ما متصلتين سياسيًا ووطنياً…
ثم حدثت المعجزة الجغرافية الكبرى…
فاستيقظنا لنكتشف أن البحر قد ابتلع المسافة بينهما وأن الوحدة تحولت إلى فصلٍ دراسي نظري في كتب العلوم السياسية.
أما القيادات…
فهذه قصة أخرى تستحق التأمل
ففي عالمٍ يتغير بسرعة الضوء، بقيت لدينا نفس المجموعة القيادية تقريبًا وكأن الزمن في رام الله يسير وفق تقويم مختلف.
تغيّرت حكومات العالم…
سقطت أنظمة…
ظهرت قوى جديدة…
لكن في السياسة الفلسطينية هناك تقليد جميل
الاستمرارية إلى ما لا نهاية
والأجمل من ذلك أن هذه القيادات لم تكتفِ بالاستمرار…
بل أنجبت وبحمد الله ذرية سياسية مباركة.
وهكذا، وبفضل سنة الحياة انتقلت الوظائف من جيل إلى جيل…
ليس بوصفها امتيازًا شخصيًا بالطبع لا، بل باعتبارها إرثًا وطنيًا مقدسًا.
فالأب يخدم الوطن…
والابن يخدم الوطن…
وابن الابن يخدم الوطن…
أما الشعب، فقد خُصص له دور نبيل للغاية
وهو أن يراقب هذا المشهد التاريخي من بعيد… ويصفق عند الحاجة”والا”.
ولكي نكون منصفين…
فإن القسمة كانت عادلة بالفعل.
القيادة أخذت الوظائف…
والشعب أخذ الوطن.
وهذه قسمة لا يمكن الطعن فيها…
فالوطن وكما تعلمون شيء ثمين جدًا.
حتى لو لم يبقَ منه إلا القليل.
وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نتأمل هذه التجربة الفريدة في علم السياسة
سلطة بلا سيادة…
اتفاق بلا تنفيذ…
دعم عربي بلا حضور…
وضغط دولي يعمل… لكن في الاتجاه المعاكس.
ومع ذلك… ما زلنا نواصل الطريق
ربما لأن الفلسطيني تعوّد منذ زمن بعيد أن يعيش داخل مفارقة كبرى
وأن يظل واقفًا… حتى حين تتحرك الأرض من تحته.
ولهذا، لا بد أن نعترف بأن التجربة الفلسطينية أضافت للعالم درسًا جديدًا في الفلسفة السياسية
يمكنك أن تخسر الأرض…
وتخسر الدعم…
وتخسر الوقت…
لكن لا تقلق.
فما دام لدينا لجنة تدرس الموضوع…
فإن الأمل… لا يزال قيد البحث







