جاري التحميل...

منذ متى أصبح المستوطن الإسرائيلي هو الحاكم الفعلي للضفة الغربية؟

بقلم: محمد التاج

كيف وصلنا إلى مرحلة يستطيع فيها المستوطن الإسرائيلي أن يدخل قرية فلسطينية، ويعتدي على أهلها، ويسرق ممتلكاتهم، ثم يغادر وكأن شيئاً لم يحدث؟ ومنذ متى أصبح الفلسطيني بحاجة إلى موافقة مستوطن مسلح حتى يصل إلى أرضه أو يسلك الطريق المؤدي إلى بيته؟

 

يوم الجمعة، التاسع من أكتوبر، حاصر مستوطنون مسلحون في يبرود سيارة بداخلها أب وطفله، واعتدوا على الأب وسرقوا سيارته. وفي قرية بيرين قرب الخليل، أصيبت امرأة مسنة بعدما أطلق مستوطنون الكلاب على المزارعين. وفي مناطق أخرى، تعرض قاطفو الزيتون للاعتداء، وقُطعت أشجار، وسُرقت أغنام، ووصل الأمر إلى تحطيم النصب التذكاري للشهيد مهند الحلبي شمال رام الله.

 

ما جرى ليس جديداً علينا، لكن الخطير أن هذه الاعتداءات تتكرر دون أن يقابلها ما يكفي من إجراءات لحماية الناس. وفي كل مرة تتسع المساحة التي يتحرك فيها المستوطن بحرية، وتضيق المساحة التي يستطيع الفلسطيني أن يعيش فيها بأمان.

 

لسنوات ونحن نراقب عدد المستوطنات والبؤر الجديدة، ونحسب مساحات الأراضي المصادرة. لكن ما يجري اليوم يتجاوز مسألة الأرض وحدها. فالمستوطن لم يعد بحاجة إلى الاستيلاء على القرية حتى يتحكم بحياة سكانها؛ يكفي أن يسيطر على الطريق المؤدي إليها، أو يمنع أهلها من الوصول إلى أراضيهم.

 

خذوا موسم الزيتون مثالاً. مزارع فلسطيني ورث أرضه عن أبيه وجده، لكنه قد يقف أمامها عاجزاً عن دخولها، لأن مستوطناً مسلحاً قرر منعه. فما قيمة ملكية الأرض إذا لم يعد صاحبها يستطيع الوصول إليها؟ وما الفرق بين مصادرتها وحرمان صاحبها من زراعتها وجني محصولها عاماً بعد عام؟

 

لا أقول إن المستوطن أصبح حاكماً بحكم القانون. الحاكم الفعلي هو الاحتلال الذي يملك السلاح والجيش والقرار، وهو الذي أتاح للمستوطن أن يتصرف بهذه الطريقة، مستفيداً من الحماية وغياب المحاسبة. لكن المواطن الفلسطيني لا يعيش المسألة باعتبارها نقاشاً قانونياً؛ هو يرى أمامه رجلاً مسلحاً يستطيع أن يمنعه من المرور، أو يطرده من أرضه، أو يعتدي عليه دون أن يخشى العقاب.

 

وهنا أصل إلى السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه: أين نحن من كل ما يجري؟ وأين السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية؟

 

أعرف أن السلطة لا تملك السيادة، وأن الاحتلال يقيد حركتها وصلاحياتها، ولا أطالبها بأن تدخل في مواجهة عسكرية لا تملك قرارها ولا أدواتها. لكن ذلك لا يبرر أن يقتصر دور المؤسسات على إصدار بيانات الاستنكار بعد كل اعتداء، دون إجراءات منظمة لمساندة المواطنين.

 

لا أطالب السلطة الفلسطينية بما لا تملك، لكنني أطالبها بما تستطيع.

 

لدينا مجالس محلية ومحافظات ومؤسسات حقوقية وأهلية وأجهزة أمنية وقوى سياسية. والمطلوب أن تتبنى السلطة، بالتعاون مع هذه الجهات، خطة وطنية واضحة لحماية السكان مدنياً ومساندة القرى الأكثر تعرضاً لاعتداءات المستوطنين، تحدد فيها مسؤولية كل مؤسسة وما تستطيع تنفيذه على الأرض.

 

يمكن للمجالس المحلية، بالتنسيق مع المحافظات والمؤسسات الأهلية، تنظيم لجان مدنية سلمية تساعد في الإنذار المبكر، وتوثيق الاعتداءات، ومساندة المزارعين، وترتيب حضور المتضامنين في المناطق المهددة، مع الحرص على سلامة الناس وعدم دفعهم إلى مواجهات غير متكافئة.

 

وعلى الجهات القانونية والحقوقية أن تتولى جمع الأدلة والشهادات ومتابعة الاعتداءات عبر المسارات القضائية المتاحة، بما فيها الدولية. فلا يجوز أن تُسرق سيارة أو تُقطع أشجار أو يُعتدى على عائلة، ثم ينتهي كل شيء بانتهاء الخبر.

 

أما المزارع الذي خسر محصوله، أو العائلة التي فقدت ممتلكاتها، فلا يكفي أن نزورها ونلتقط الصور معها. هؤلاء يحتاجون إلى دعم يساعدهم على البقاء في أرضهم. ويمكن للحكومة، بالشراكة مع المجالس المحلية والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية، إنشاء صندوق طوارئ واضح التمويل والرقابة لتعويض المتضررين ومساعدتهم على استعادة مصادر رزقهم.

 

قد لا توقف هذه الإجراءات اعتداءات المستوطنين، لكنها على الأقل تعني أن المواطن لن يبقى وحده. والمطلوب من السلطة أن تعلن للناس ما الذي ستفعله، ومن المسؤول عن تنفيذه، وأن تقدم نتائج يمكن للجميع الاطلاع عليها ومحاسبتها بشأنها.

 

أما الفصائل والقوى السياسية، فعليها أن تعود إلى القرى المهددة، وأن تثبت حضورها بين الناس بالفعل، لا بالبيانات والشعارات.

 

لم يعد المستوطن يريد أرض الفلسطيني وحدها، بل بات يريد أن يقرر كيف يعيش عليها؛ أي طريق يسلك، ومتى يخرج إلى حقله، وهل يستطيع أن يقطف زيتونه ويعود إلى بيته آمناً.

 

لسنا بحاجة إلى من يخبرنا أن الضفة الغربية محتلة، فنحن نعيش الاحتلال كل يوم. لكننا بحاجة إلى مؤسسات تتحمل مسؤولياتها، وقوى سياسية تعود إلى الناس، ومجتمع ينظم قدراته بدلاً من ترك كل قرية تواجه مصيرها وحدها.

 

فالاحتلال هو من منح المستوطن السلاح والحماية، لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية حماية ما نستطيع حمايته، ومساندة من نستطيع مساندته. لا يجوز أن نطالب الفلسطيني بالصمود، ثم نتركه وحده يدفع ثمن هذا الصمود.