جاري التحميل...

من ابن رشد إلى روسو: حين تتحول الثنائيات من قيودٍ قاتلة إلى أسئلةٍ منتجة

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست الحضارات مجرد تراكمٍ للمعارف، ولا محصلةً آليةً لما تنتجه العقول من فلسفات ونظريات، بل هي، قبل ذلك وبعده، الطريقة التي تدير بها الجماعات البشرية تناقضاتها الكبرى. فالحضارة لا تُقاس فقط بما تعرفه، وإنما بكيفية تعاملها مع ما لا تعرف، وبقدرتها على تحويل اختلافاتها الداخلية من أسبابٍ للانقسام إلى طاقةٍ لإعادة بناء الإنسان والعالم.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المسار التاريخي الذي فصل، بدرجات متفاوتة، بين التجربة العربية الإسلامية والتجربة الأوروبية الحديثة. وليس المقصود هنا إقامة محاكمةٍ أخلاقية بين حضارتين، ولا اختزال التاريخ في ثنائيةٍ ساذجة تجعل أوروبا فضاءً للعقل والعرب فضاءً للجمود؛ فالتاريخ أكثر تعقيداً من هذه الصورة المريحة. لكن ثمة سؤالاً لا يستطيع الفكر العربي المعاصر الإفلات منه: لماذا استطاعت أوروبا، في مراحل معينة من تاريخها، أن تجعل من تناقضاتها الداخلية مادةً لإنتاج التحول، بينما ظلت بعض تناقضات المجال العربي زمناً طويلاً تتحول إلى حدودٍ صلبة بين العقل والنقل، والتراث والحداثة، والدين والدنيا، والأصالة والمعاصرة؟

ربما تبدأ الإجابة من ابن رشد.
لم يكن ابن رشد مجرد فيلسوف أندلسي ترك شروحاً لأرسطو، بل كان يمثل، في واحدة من أكثر اللحظات كثافةً في تاريخ الفكر الإسلامي، إمكانيةً مختلفة للعلاقة بين العقل والشريعة. فقد حاول أن يبرهن على أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة، وأن اختلاف طرائق الوصول إليها لا يعني بالضرورة تناقضها. وهنا تكمن أهمية اللحظة الرشدية: لم يكن السؤال هل نختار العقل أم النقل، بل كيف نجعل العقل جزءاً من عملية فهم النقل وتأويله، وكيف نمنع أحدهما من التحول إلى سجنٍ للآخر.
غير أن المأساة التاريخية تبدأ حين تتحول الفكرة من مشروعٍ مفتوح إلى هويةٍ مغلقة.

لقد عاش الفكر الإسلامي، في مراحل لاحقة، توتراتٍ حادة بين الفقه والفلسفة، وبين سلطة النص وسلطة العقل، وبين التقليد والاجتهاد. ولا يصح اختزال هذه التوترات كلها في صورة صراعٍ بين «العقل» و«الجهل»، فقد أنتج التراث الإسلامي مدارس عقلانية وفقهية وفلسفية وكلامية وصوفية شديدة التنوع. لكن المشكلة تظهر حين يفقد الاختلاف قدرته على إنتاج الأسئلة، ويصبح أداةً لتثبيت الحدود؛ وحين يتحول الخلاف الفكري من منافسةٍ معرفية إلى نزاعٍ على الشرعية، ومن سؤالٍ عن الحقيقة إلى سؤالٍ عن امتلاك الحق في الكلام.
هنا تصبح الثنائية قاتلة.

فالعقل في مواجهة النقل، والفلسفة في مواجهة الشريعة، والتراث في مواجهة الحداثة، والدين في مواجهة العلمانية، ليست بالضرورة ثنائياتٍ قاتلة في ذاتها. الذي يجعلها قاتلة هو تحويلها إلى متاريس. فالعقل والنقل يمكن أن يتحاورا، والتراث يمكن أن يكون مادةً للنقد لا وثناً، والحداثة يمكن أن تُقرأ نقدياً لا أن تُستورد بوصفها وصفةً جاهزة، والدين يمكن أن يظل مجالاً للإيمان والمعنى من دون أن يتحول إلى جهازٍ لإلغاء السؤال.
إن المشكلة ليست في وجود الضد، بل في العجز عن تحويل الضد إلى جدل.
وهنا تبدو أوروبا الحديثة، لا بوصفها نموذجاً كاملاً أو تاريخاً بلا عنفٍ أو تناقض، وإنما بوصفها تجربةً استطاعت في مراحل مفصلية أن تعيد إنتاج تناقضاتها داخل مؤسسات وأفكار جديدة. فقد شهدت أوروبا صراعات دينية مدمرة، وحروباً مذهبية، واستبداداً ملكياً، وصداماتٍ عنيفة بين الكنيسة والفكر الفلسفي. لكنها، عبر مسارات طويلة ومتشابكة، بدأت تنقل هذه الصراعات من ساحة الإلغاء المتبادل إلى ساحة النقاش والتشريع والمؤسسة.

ومن الإصلاح الديني إلى الثورة العلمية، ومن فلسفة التنوير إلى الثورة السياسية، لم يكن الطريق مستقيماً ولا بريئاً، لكنه كان يتحرك في اتجاه إعادة تعريف علاقة الإنسان بالسلطة والمعرفة.
وهنا يمكن أن نستدعي روسو، لا باعتباره خاتمةً لهذا المسار، بل باعتباره علامةً على انتقال السؤال من السماء إلى المجال السياسي والاجتماعي. ففي «العقد الاجتماعي» لم يعد مصدر الشرعية السياسية مجرد امتيازٍ موروث أو حقٍ مفروض من أعلى، وإنما أصبحت الإرادة العامة مفهوماً مركزياً في التفكير السياسي الحديث. وبذلك انتقل السؤال من: «من يملك الحق في الحكم؟» إلى سؤال أكثر جذرية: «من أين تستمد السلطة شرعيتها؟»
هذه النقلة ليست تفصيلاً فلسفياً.

إنها انتقالٌ في تصور الإنسان لنفسه.

فحين يصبح الإنسان قادراً على مساءلة مصدر السلطة، ومراجعة القوانين، ونقد المؤسسة الدينية والسياسية، فإن المعرفة لا تعود مجرد مخزونٍ من الإجابات، بل تصبح قدرةً على إنتاج الأسئلة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتأملها الفكر العربي اليوم بعمق: النهضة لا تبدأ حين نمتلك الإجابات، بل حين نمتلك الحق في طرح الأسئلة دون خوف.
ولذلك فإن استعادة ابن رشد لا ينبغي أن تكون احتفالاً تراثياً بفيلسوفٍ من الماضي، ولا تعليق صورته على جدران المؤسسات الثقافية، ثم العودة إلى آليات التفكير نفسها التي جعلت مشروعه عاجزاً عن الاستمرار.

استعادة ابن رشد الحقيقية تعني استعادة السؤال الذي حمله.
كيف يمكن للعقل أن يعمل داخل الثقافة لا على هامشها؟

كيف يمكن للدين أن يبقى مصدراً للمعنى دون أن يتحول إلى خصمٍ للمعرفة؟
كيف يمكن للتراث أن يصبح موضوعاً للفحص والتأويل بدلاً من أن يتحول إلى سلطةٍ تمنع التأويل؟

وكيف يمكن للحداثة أن تدخل إلى المجال العربي بوصفها سؤالاً نقدياً، لا بوصفها تقليداً سطحياً لأنماط الحياة والاستهلاك؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من استعادة المصطلحات ذاتها.

ولعل مفهوم «الفوات الحضاري» يصبح مضللاً إذا فهمناه بوصفه فجوةً زمنية بسيطة بين مجتمعين: مجتمعٍ «متقدم» وآخر «متأخر». فالتاريخ ليس قطاراً يسير على سكة واحدة، ولا الحضارات تلاميذ يقفون في طابورٍ واحد كي يصلوا جميعاً إلى المحطة نفسها. لكل مجتمع مساراته وتناقضاته وشروطه التاريخية.
لكن هناك، في المقابل، فجوات حقيقية في إنتاج المعرفة، وفي بناء المؤسسات، وفي استقلال الجامعة، وفي حرية البحث، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي قدرة القانون على حماية الفرد، وفي تحويل المعرفة إلى قوةٍ اجتماعية منتجة. وهذه الفجوات لا يمكن إنكارها تحت ذريعة النسبية الثقافية.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله العقل العربي هو أن يحوّل نقد الذات إلى جلدٍ للذات، أو أن يحوّل نقد الغرب إلى وسيلةٍ للهروب من أسئلته الداخلية. فالتقدم الأوروبي نفسه لم يكن نتيجة عبقريةٍ عرقية أو تفوقٍ جوهري، بل حصيلة صراعاتٍ طويلة، ومؤسساتٍ تراكمت، وثوراتٍ معرفية، وتحولاتٍ اقتصادية وسياسية، وإعادة تعريفٍ مستمرة لعلاقة الفرد بالدولة والدين والعلم.
ولهذا فإن أوروبا التي نراها اليوم لم تولد من روسو وحده، كما أن الحداثة الأوروبية لا يمكن اختزالها في فيلسوف أو كتاب. كذلك لم يكن تراجع الفكر العربي نتيجة إقصاء ابن رشد وحده. التاريخ أكثر تركيباً من ذلك. غير أن الرموز الكبرى تكشف أحياناً عن إمكاناتٍ ضائعة؛ وابن رشد واحد من هذه الرموز التي تسمح لنا برؤية لحظة كان يمكن أن تسلك فيها العلاقة بين العقل والشريعة مساراً آخر.

المشكلة إذن ليست أن العرب «تركوا ابن رشد» وأن أوروبا «أخذته»، بهذه البساطة. الأهم أن أوروبا استطاعت، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، أن تعيد إنتاج بعض الأفكار التي وصلت إليها عبر وسائط متعددة، ثم تبني عليها منظوماتٍ جديدة في العلم والسياسة والقانون والفلسفة. أما العالم العربي فقد ظل في كثير من المراحل يتعامل مع تراثه بوصفه ماضياً ينبغي الدفاع عنه أو هدمه، بدلاً من التعامل معه بوصفه مادةً قابلةً لإعادة القراءة.
وهنا تكمن المفارقة.

المشكلة ليست في التراث حين يصبح ماضياً، بل حين يتحول الماضي إلى مستقبلٍ وحيد.
فالتراث الذي لا يُقرأ يموت، والتراث الذي يُقدّس يتجمد، والتراث الذي يُهدم بلا فهم يعيد إنتاج نفسه بأشكالٍ أخرى. وحده التراث الذي يدخل المختبر النقدي يستطيع أن يتحول من عبءٍ تاريخي إلى مادةٍ للخلق.
ولذلك فإن الخروج من «الثنائيات القاتلة» لا يعني إلغاء الأقطاب، بل تحريرها من أسر المواجهة الصفرية. لسنا مضطرين إلى اختيار العقل ضد الإيمان، أو الحداثة ضد التراث، أو الغرب ضد الشرق. السؤال الأعمق هو: كيف نعيد تركيب العلاقة بين هذه العناصر بحيث يصبح الاختلاف مصدراً للمعرفة؟
إن النهضة ليست في أن ينتصر العقل على الدين، ولا أن ينتصر الدين على العقل؛ وليست في أن تنتصر الحداثة على التراث أو التراث على الحداثة. النهضة الحقيقية تبدأ حين نتوقف عن بناء هويتنا على انتصار طرفٍ على طرف، ونبدأ في بناء مشروعنا على قدرة الأطراف المختلفة على إنتاج معنى جديد.

كان ابن رشد يسأل عن العلاقة بين الحقيقة والعقل.

وجاء روسو ليسأل عن العلاقة بين الإنسان والسلطة.
وبين السؤالين مسافةٌ تاريخية هائلة، لكنها تكشف شيئاً واحداً: الحضارات لا تتقدم حين تتخلص من تناقضاتها، بل حين تتعلم كيف تفكر فيها.
ولعل الفارق الأكثر عمقاً بين حضارةٍ تتقدم وأخرى تتعثر ليس في عدد الكتب التي تمتلكها، ولا في كثرة الفلاسفة الذين أنجبتهم، وإنما في قدرتها على السماح لأفكارها بأن تعارض نفسها، وأن تُراجع مسلماتها، وأن تقبل بأن الحقيقة ليست ملكاً نهائياً لأحد.

فحين يصبح السؤال جريمة، يبدأ العقل بالهجرة.
وحين يصبح الاختلاف خيانة، تتحول الثقافة إلى صدى.
وحين يصبح الماضي محكمةً للحاضر، يفقد المستقبل حقه في أن يولد.

لهذا لا نحتاج اليوم إلى ابن رشد جديد بقدر ما نحتاج إلى المناخ الذي كان يمكن لابن رشد أن يعيش فيه دون أن يتحول الاختلاف معه إلى محاكمة.
ولا نحتاج إلى استنساخ روسو، بل إلى استعادة الجرأة التي تجعل الإنسان يسأل: من أين تأتي شرعية السلطة؟ ومن يملك الحق في تعريف الحقيقة؟ ومن يحق له أن يقول «لا»؟
هناك، في المسافة بين السؤال والخوف، يبدأ التاريخ.
وهناك أيضاً، ربما، يمكن أن ينتهي الفوات الحضاري: لا حين نصبح نسخةً من أوروبا، ولا حين نعود نسخةً من ماضينا، بل حين نمتلك أخيراً القدرة على أن نكون نحن؛ أن نقرأ تراثنا بعينٍ لا تخاف النقد، وأن نقرأ العالم بعينٍ لا تخاف الاختلاف، وأن نحول تناقضاتنا من جدرانٍ تفصلنا إلى نوافذ تطل على المستقبل.

فالحضارة التي تخاف من سؤالها الأول، قد تقضي قروناً تبحث عن جوابٍ لم تعد تعرف لماذا طرحته.