السياسي -متابعات
يعود الفضل في الإيرادات الضخمة التي يحصدها فيلما “الأوديسة” و”سبايدرمان” في شباك التذاكر، إلى نموذج أولي في مفهوم “الأفلام الصيفية الضخمة” يتمثل بفيلم “الفك المفترس” (Jaws) الصادر عام 1975، ففي 24 أبريل/نيسان 1975، رصد مؤرخ السينما جوزيف مكبرايد عرضًا خاصًا للفيلم المخيف، وتيقن حينها أن الصناعة أمام تحول كبير.
الفيلم الذي أخرجه ستيفن سبيلبرغ، ويتناول قصة قرش أبيض ضخم يرهب بلدة منتجعية في “نيو إنغلاند”، لم يكن مثل ما سبق عرضه من أفلام، لذا شعر جوزيف مكبرايد -كان مراسلًا لمجلة “فارايتي” حينها- بأن العمل سيحقق نجاحًا استثنائيًا، بعدما لمس فزع الجمهور وصراخهم المتواصل عند مشهد سحب أول ضحية تحت الماء، ليفكر حينها في شراء بعض الأسهم في شركة (MCA) المالكة للاستوديو.
وبالفعل تحول (Jaws) من مجرد فيلم ناجح تجاريًا إلى ظاهرة أطلقت عليها مجلة “فارايتي” حينها مسمى “الفيلم الضخم”، ليصبح أول عمل يتجاوز حاجز 100 مليون دولار في شباك التذاكر متخطيًا فيلم “العراب” (The Godfather) كأعلى الإيرادات تاريخيًا حينها.
أحدث الفيلم فزعًا عامًا من أسماك القرش تسبب في تراجع إقبال الجمهور على الشواطئ، مرسخًا لثقافة الإصدارات الصيفية الضخمة، والتسويق المكثف، والسلع المرتبطة بالفيلم، وتتابع أجزاء الأفلام المشتقة من عمل أول.
وسرد “سبيلبرغ” أبعاد هذه الظاهرة حين تحدث عن سماعه لرواد منافذ “الآيس كريم” وهم يتحدثون عن مشاهدة الفيلم ست مرات، إلى جانب متابعته التغطيات الإخبارية المتواصلة للعمل عبر النشرات الرئيسية، مؤكدًا أنها كانت اللحظة الأولى التي أدراك فيها حجم الظاهرة الثقافية التي صنعها.
النموذج الأولي
لم يتوقع صناع السينما أن يحقق الفيلم إيرادات تتجاوز 450 مليون دولار عالميًا، ليعيد بذلك تشكيل شهية هوليوود في الأرباح كنموذج أولي لنوعية “الأفلام الصيفية الضخمة” القائمة على فكرة كبيرة، وميزانية ضخمة، وعرض واسع على آلاف الشاشات.
وتحولت الأعمال السينمائية إلى “أحداث ثقافية” بميزانيات تسويق فلكية تدر أرباحًا مستمرة لسنوات عبر الأجزاء اللاحقة، والتلفزيون، وإعادة العرض، والسلع المرافقة.
وأنتج الفيلم موجة سينمائية شملت أفلامًا مثل “أوركا” (Orca)، عام 1977، و”بيرانا” (Piranha) عام 1978، فضلًا عن ثلاثة أجزاء رسمية لاحقة لم يخرج سبيلبرغ أي منها.
وبعد عامين، كسر فيلم “حرب النجوم” (Star Wars) الرقم القياسي الصيفي، ليؤكد لصناع السينما أن نموذج (Jaws) الاستثماري قابل للتكرار والتطوير باستمرار.
تحول المنطق
غير الفيلم المنطق الموسمي لاستوديوهات هوليوود التي كانت تدخر كبرى إصداراتها لموسم أعياد نهاية العام، وأوضح الناقد توم شون في “فيلم رائج: كتابه كيف تعلمت هوليوود التوقف عن القلق والاستمتاع بالصيف؟” (Blockbuster: How Hollywood Learned to Stop Worrying and Love the Summer) أن نسبة مشاهدة الأفلام الصيفية عام 1975 كانت تشكل 32% فقط من الأعمال السنوية، قبل أن تتضاعف بحلول عام 1996 بفضل أفلام ضخمة مثل “يوم الاستقلال” (Independence Day)، و”مهمة مستحيلة” (Mission: Impossible).
المنتجات التجارية
وأرسى (Jaws) ممارسة البيع التجاري الواسع للمنتجات المرتبطة بالأفلام، حيث بدأت ظاهرة (هوس الفك المفترس) (Jawsmania) كمبادرات عفوية من رواد الأعمال، مثل بيع فكوك القرش، إلى جانب قمصان ومناشف رسمية أصدرتها شركة ” يونيفرسال”.

واستغل المخرج جورج لوكاس هذا المفهوم عند إنتاج (Star Wars)، حيث تنازل عن أجر قدره 500 ألف دولار لشركة “توينتيث سنتشري فوكس” مقابل الاحتفاظ بحقوق المنتجات المرتبطة والأجزاء اللاحقة، وهو ما أثمر عن أرباح تجاوزت 20 مليار دولار على مدار 35 عامًا عبر ألعاب ومكعبات “ليغو”، لتسير على نهجها سلاسل مثل “إنديانا جونز” (Indiana Jones) و”العودة إلى المستقبل” (Back to the Future).
استراتيجيات الطرح
وافتتح فيلم (Jaws) في أكثر من 400 دار سينما في عرض واسع غير معتاد حينها، رغم أنه لم يكن أول فيلم يعتمد “الطرح الإشباعي (saturation release) حيث سبقه فيلم (The Trial of Billy Jack) عام 1974 بالعرض في أكثر من 1000 دار سينما لتفادي المراجعات النقدية السلبية.
وأوضح “مكبرايد”، مؤلف كتاب ” ستيفن سبيلبرغ: سيرة ذاتية” (Steven Spielberg: A Biography)، أن السائد سابقًا كان توسيع عرض الأفلام الجيدة تدريجيًا بدءًا من المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس، بينما يعتمد العرض الواسع السريع على الأفلام الضعيفة لجني الأموال قبل انتشار الآراء المنفرة، لكن (Jaws) قلب هذه المعايير كليًا عبر طرح ضخم مدعوم بإعلانات وطنية وحملات شفهية إيجابية بين الجمهور.
تغير طبيعة هوليوود
ويرى “مكبرايد” أن ما غير طبيعة هوليوود سلبًا هو الإعلانات التلفزيونية القصيرة (30 ثانية) التي فرضت تبسيط حبكة الأفلام لتناسب الترويج السريع.
وفي المقابل، انتقد مؤرخ السينما بيتر بيسكيند في مقال ” فيلم ضخم: الحملة الصليبية الأخيرة” (Blockbuster: The Last Crusade) عام 1990 دور سبيلبرغ ولوكاس في “تغليب ثقافة الأفلام الترفيهية الموجهة لفئات شابة على حساب الأعمال الراقية للبالغين”، وتكريس هوس “أفلام الأرقام الرومانية” والأجزاء المتتابعة.
الدراما النفسية
ورغم المراجعات النقدية المتباينة في بدايته، حصد الفيلم جوائز عدة عن الموسيقى التصويرية والمونتاج، واستغل “سبيلبرغ” الأعطال المتكررة للقرش الآلي وتأخر جدول التصوير بـ 100 يوم لتحويل القرش إلى خطر خفي يستشعر دون أن يرى بأسلوب يتشابه مع سينما “هيتشكوك”، ما أطاح بالحدود الفاصلة بين أفلام الوحوش والدراما النفسية وجعل المخرج مليونيرًا قبل سن الثلاثين.
وأكد لوران بوزيرو، مخرج الفيلم الوثائقي ” الفك المفترس في عامه الخمسين: القصة الكاملة” (Jaws @ 50: The Definitive Inside Story)، أن العمل يتجاوز تصنيف أفلام الإثارة أو الرعب كونه دراما تتناول اختبار ثلاثة رجال يمثل كل منهم شخصية نموذجية تحت أقصى درجات الضغط، لتتحول القصة بعد 50 عامًا من فيلم وحوش تقليدي إلى عمل كلاسيكي يجسد الصراع بين الإنسان والبيئة والفساد المحلي.