بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
لم يكن التاريخ الإنساني، في مساراته السياسية والاجتماعية والحضارية، سوى سجلّ متعاقب لصراع الإرادات بين القوة والاستضعاف، وبين من يمتلك أدوات الهيمنة ومن يجد نفسه محكوماً بشروطها. فمنذ تشكّل الإمبراطوريات القديمة، مروراً بالاستعمار الحديث، وصولاً إلى النظام الدولي المعاصر، ظلّت العلاقة بين الأقوياء والضعفاء محكومة، في جانب كبير منها، بميزان المصالح والنفوذ، لا بما ترفعه الدول من شعارات العدالة والمساواة واحترام حقوق الشعوب.
وقد احتلّ مفهوم الاستضعاف مكانةً بارزة في الفكر الإسلامي المبكر، حيث لم يُنظر إليه بوصفه قدراً تاريخياً محتوماً أو حالة أبدية، بل باعتباره وضعاً قابلاً للتغيير، يرتبط بمدى قدرة الجماعة على مراجعة ذاتها، واستعادة وعيها، وإعادة بناء مقومات قوتها. فالاستضعاف، وفق هذا المنظور، ليس انتفاءً للحق، ولا دليلاً على العجز الحضاري الدائم، وإنما هو حالة تاريخية قد تنشأ حين تتراجع الأمة عن مسؤولياتها، أو تهمل بناء مؤسساتها، أو تنشغل بصراعاتها الداخلية، أو تفقد التوازن بين قيمها الروحية ومتطلبات حياتها المادية.
ومن هنا، فإن تجاوز الاستضعاف لا يتحقق بالتمنّي ولا بالارتهان للآخر، وإنما يبدأ بإصلاح الداخل، وتحرير الإرادة، وإعادة الاعتبار للعلم والمعرفة والعمل والإنتاج، وبناء القوة بمفهومها الشامل: قوة الإنسان، والمؤسسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والثقافة، والقدرة على حماية القرار الوطني. فالأمم لا تستعيد مكانتها بمجرد استحضار أمجادها، وإنما بقدرتها على تحويل ذاكرتها التاريخية إلى مشروع للمستقبل.
الاستضعاف بوصفه أداة للهيمنة
ليس الاستضعاف مجرد تفاوت في الإمكانات أو اختلاف في موازين القوة؛ إنه، في صورته السياسية الأشد خطورة، منظومة متكاملة لإخضاع الإرادة الإنسانية والوطنية. فالقوة حين تنفصل عن العدالة تتحول إلى أداة للسيطرة، وحين تتخذ من التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي مبرراً لفرض الإرادة، تصبح العلاقة بين الدول علاقة إخضاع لا علاقة شراكة.
وتتجلى هذه المنظومة في انتزاع القرار المستقل من الدول الأضعف، وفرض السياسات والتشريعات والاتفاقيات التي تخدم مصالح القوى المهيمنة، وإجبار الشعوب على التنازل عن حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو دفعها إلى الصمت عن انتهاكات تتعرض لها. وهكذا لا يعود الطرف المستضعف سيداً على موارده ولا على خياراته، بل يتحول تدريجياً إلى تابع يستهلك إرادة غيره، ويعيد إنتاج شروط تبعيته.
ولا تقتصر الهيمنة على أدوات القسر العسكري والاقتصادي؛ إذ تمتد إلى الوعي والثقافة والإعلام، حيث تُصاغ الروايات، وتُعاد هندسة المفاهيم، وتُضخّ المعلومات المضللة، وتُستثمر الشائعات والدسائس لتفكيك الثقة المجتمعية وإرباك الإدراك العام. وفي مثل هذه البيئات تنشأ شبكات من المنتفعين والوسطاء، تتولى تزييف الحقائق وتجميل التبعية، وتقديم الخضوع باعتباره واقعية سياسية، والتنازل عن الحقوق باعتباره حكمةً واعتدالاً.
إن أخطر ما تنتجه الهيمنة ليس فقدان الأرض أو الثروة وحدهما، بل استبطان الإنسان لمنطق العجز، حتى يصبح أسيراً للصورة التي رسمها المستعمِر له عن نفسه. وعندئذٍ تتحول التبعية من ممارسة مفروضة من الخارج إلى ثقافة يعيد المجتمع إنتاجها من داخله.
من إخضاع الإرادة إلى احتلال الوعي
تسعى القوى المهيمنة، في جوهر مشروعها، إلى أكثر من إخضاع الجغرافيا؛ إنها تستهدف الإنسان في كرامته وهويته وقدرته على التفكير المستقل. فالاستعمار الذي يسيطر على الأرض لا يكتفي بالاستيلاء على مواردها، بل يحاول إعادة تشكيل تاريخها وذاكرتها، وتفكيك روابطها الاجتماعية، وإضعاف ثقتها بذاتها، حتى يغدو وجوده أمراً مألوفاً في الوعي العام.
وهنا تتداخل الأبعاد النفسية والسياسية والاجتماعية للاستضعاف. فالخوف قد يتحول إلى سلوك سياسي، والهزيمة العسكرية إلى انكسار نفسي، والتبعية الاقتصادية إلى تبعية ثقافية، فيما يصبح الدفاع عن الاستقلال فعلاً يتطلب تحرير العقل قبل تحرير الأرض.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين القوة بوصفها قدرة على حماية الحقوق وصيانة الكرامة، وبين القوة حين تنحدر إلى نزعة انتقامية أو رغبة في إعادة إنتاج الظلم. فليس المطلوب استبدال هيمنة بهيمنة، ولا استبدال مستضعَف بمتسلط جديد، وإنما تأسيس علاقة إنسانية ودولية قوامها التكافؤ والعدالة واحترام السيادة.
النظام الدولي: مساواة معلنة وامتيازات مفروضة
في عالمنا المعاصر، تبدو مفارقة النظام الدولي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمن جهة، تنص المواثيق الدولية على المساواة في السيادة بين الدول، واحترام استقلالها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن جهة أخرى، تكشف الممارسة السياسية عن اختلالات بنيوية عميقة تجعل بعض الدول أكثر قدرة على تحديد قواعد اللعبة الدولية، بينما تجد دول أخرى نفسها محكومة بحدود الدور المرسوم لها.
وقد أسهمت العولمة، بما حملته من تطور تكنولوجي وتشابك اقتصادي واتصالي، في توسيع فرص التعاون والتبادل، لكنها لم تُلغِ علاقات القوة غير المتكافئة؛ بل أوجدت أشكالاً جديدة من التبعية، تتجلى في احتكار التكنولوجيا، والتحكم في الأسواق وسلاسل الإمداد، وهيمنة المؤسسات المالية، واستخدام العقوبات الاقتصادية، والضغط السياسي، والتفوق المعلوماتي، بوصفها أدوات لإعادة إنتاج النفوذ.
ولم تكن القوى الإمبراطورية الكبرى في التاريخ الحديث، مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وكذلك الاتحاد السوفييتي السابق، بمنأى عن ممارسة سياسات الهيمنة والتوسع والتدخل في شؤون الشعوب والدول. وقد اختلفت الأيديولوجيات والخطابات التي بررت تلك السياسات، لكن النتيجة كثيراً ما تمثلت في إخضاع الشعوب لمصالح القوى الكبرى، وحرمانها من حرية تقرير مصيرها.
وتتجلى إحدى أبرز صور هذا الاختلال في بنية مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية ضمن منظومة الأمم المتحدة. فعلى الرغم من أن ميثاق المنظمة يؤكد المساواة في السيادة بين أعضائها، فإن منح الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، حق النقض (الفيتو)، أوجد امتيازاً سياسياً استثنائياً يمكّن أياً منها من تعطيل القرارات الموضوعية للمجلس، حتى عندما تحظى بتأييد غالبية أعضائه.
وهكذا أصبح الفيتو أحد أبرز مظاهر التناقض بين المبدأ القانوني والممارسة السياسية؛ إذ قد تتحول حماية المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى إلى عائق أمام تطبيق العدالة الدولية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بوقف الحروب، أو حماية المدنيين، أو محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.
إن المشكلة ليست في وجود مؤسسات دولية لتنظيم العلاقات بين الدول، بل في اختلال قدرتها على تطبيق قواعدها بصورة متساوية. فالشرعية الدولية تفقد جانباً أساسياً من مصداقيتها حين تُستدعى بقوة في مواجهة دول، ويُتغاضى عنها عندما تتعارض مع مصالح دول أخرى.
الاستعمار بأقنعته الجديدة: من احتلال الأرض إلى مصادرة القرار
لم يعد الاستعمار المعاصر مقتصراً على احتلال الجيوش للأراضي، وإقامة الإدارات العسكرية، ورفع الأعلام الأجنبية فوق المؤسسات الرسمية. فقد تطورت أدوات السيطرة لتشمل أشكالاً أكثر تعقيداً من التدخل السياسي والاقتصادي والأمني، والتحكم في الموارد الاستراتيجية، وفرض التبعية المالية والتكنولوجية، وإعادة تشكيل الأولويات الوطنية وفق مقتضيات مصالح خارجية.
ومع ذلك، فإن الاستعمار العسكري المباشر لم يصبح من مخلفات الماضي؛ فما زالت الشعوب تعاني الاحتلال، والتهجير، ومصادرة الأراضي، والاستيطان، والحصار، وتدمير البنى التحتية، وحرمانها من حقوقها الأساسية. وتبقى فلسطين المثال الأوضح على استمرار هذه المأساة التاريخية، حيث يتعرض الشعب الفلسطيني لعقود من الاحتلال والاستيطان والاقتلاع، فيما يواجه قطاع غزة، على نحو خاص، حصاراً مزمناً وحروباً مدمرة وأوضاعاً إنسانية بالغة القسوة.
لقد كشفت التجربة الفلسطينية عن حدود النظام الدولي وعجزه المتكرر عن توفير الحماية الفعلية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وعن الهوة الواسعة بين المبادئ التي تعلنها المؤسسات الدولية والواقع الذي يعيشه المدنيون. فحين يصبح تطبيق القانون الدولي خاضعاً لموازين المصالح والتحالفات، تتراجع العدالة من كونها قاعدة ملزمة إلى مجرد خطاب سياسي قابل للانتقاء.
كما شكّل العراق نموذجاً بالغ القسوة لتداعيات الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليه خلال تسعينيات القرن الماضي واستمر حتى عام 2003، وما خلّفه من أضرار واسعة في البنية الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما على الأطفال والفئات الأكثر هشاشة. وقد أثارت الكلفة الإنسانية لذلك الحصار انتقادات أخلاقية وسياسية واسعة، وأعادت طرح السؤال حول مشروعية العقوبات الجماعية وحدود استخدامها في العلاقات الدولية.
وفي أوروبا، أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 كيف يمكن للصراعات الجيوسياسية أن تعيد إنتاج دوائر الدمار والتهجير والعقوبات والمواجهات الاقتصادية، وأن تجعل الشعوب تدفع أثماناً باهظة لصراعات تتجاوز في كثير من الأحيان مصالحها المباشرة.
من الاستضعاف إلى الاستقلال: بناء القوة شرطٌ لصيانة الحرية
إن الانتقال من حالة الاستضعاف إلى الاستقلال ليس تحولاً شكلياً في بنية السلطة، ولا مجرد إعلان سياسي للسيادة، بل هو عملية تاريخية وحضارية شاملة تتطلب إعادة بناء الإنسان والمؤسسات، وتحرير الاقتصاد، وتوطين المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاج، وإقامة نظام سياسي يستمد شرعيته من إرادة الشعب ويحمي حقوقه وحرياته.
فلا استقلال حقيقياً لدولة ترتهن غذاءها ودواءها وتقنياتها وقرارها الاقتصادي للخارج، ولا قوة لأمة تُهمل التعليم والبحث العلمي، ولا سيادة لمجتمع يُقصي الكفاءات ويستبدل المواطنة بالولاء، ويجعل النقد خيانة، والاختلاف تهديداً، والمساءلة خروجاً على الطاعة.
إن بناء القوة يبدأ من الداخل، من دولة القانون والمؤسسات، ومن تكافؤ الفرص، ومن احترام العقل والكفاءة، ومن تحرير الثقافة من الخوف والتبعية. كما يتطلب إقامة علاقات دولية متوازنة، تقوم على المصالح المشتركة لا على الإملاءات، وعلى التعاون لا على الاستتباع، وعلى احترام سيادة الشعوب وحقها في اختيار مستقبلها.
ولعل الدرس الأعمق الذي يقدمه التاريخ هو أن الاستضعاف لا ينتهي بمجرد زوال المستعمِر، كما أن الاستقلال لا يكتمل بمجرد رفع العلم؛ فقد تتحرر الأرض وتظل الإرادة مرتهنة، وقد تسقط سلطة خارجية لتنشأ في الداخل منظومة استبداد تعيد إنتاج منطق الإخضاع ذاته.
إن معركة الشعوب الحقيقية ليست فقط في انتزاع استقلالها من القوى الخارجية، بل في حماية هذا الاستقلال من كل أشكال الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، وفي تحويل الحرية من شعار إلى ممارسة، والسيادة من نص دستوري إلى قدرة فعلية، والقوة من أداة للبطش إلى ضمانة للكرامة والعدالة.
فالأمم لا تكون قوية لأنها تفرض إرادتها على الآخرين، بل لأنها تمتلك من الوعي والمعرفة والمؤسسات والقدرات ما يمنع الآخرين من مصادرة إرادتها.
فالاستقلال الذي لا تحرسه المعرفة، ولا تسنده العدالة، ولا تحميه القوة المنتجة، يظل استقلالاً منقوصاً؛ والسيادة التي لا تبدأ من كرامة الإنسان تنتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى صورة أخرى من صور الاستضعاف.