جاري التحميل...

من التحريض إلى الميدان… هل بدأت الدعوات تتحول إلى واقع؟

– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين

لم تعد الدعوات التحريضية التي رصدتها منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة قبل أسبوعين مجرد منشورات متداولة على منصات التواصل أو في أوساط المستوطنين المتطرفين، بل باتت تقرأ، في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة، باعتبارها جزءا من سياق أوسع يتداخل فيه الخطاب التحريضي مع تصاعد غير مسبوق في الاعتداءات على القرى الفلسطينية والتجمعات البدوية في الضفة الغربية.

فخلال اليومين الماضيين، شهدت عدة مناطق في شمال ووسط الضفة الغربية وجنوبها هجمات نفذتها عصابات المستوطنين الاسرائيليين ضد قرى فلسطينية، أعقبت مواجهات في محيط قرية تل جنوب غرب نابلس، وترافقت مع عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة وإجراءات أمنية مشددة شملت اقتحامات واعتقالات وإغلاقاً للطرق، ما أدى إلى تفاقم حالة التوتر في المنطقة . وقد أفادت الروايات الفلسطينية والتقارير الإعلامية الدولية، عن اقتحام عصابات المستوطنين عددا من القرى والتجمعات الفلسطينية، وأقدموا على إحراق ممتلكات والاعتداء على السكان، وهو ما يعكس انتقالا من مرحلة التحريض إلى مرحلة التنفيذ الميداني.

وتكتسب هذه الأحداث أهمية خاصة لأنها جاءت بعد أيام من رصد منظمة البيدر دعوات تحريضية للمستوطنين ضد الفلسطينيين حملت شعار “النصر المطلق فقط في طرد العدو”، وهي دعوات حذرت المنظمة من أنها قد تشجع على استهداف القرى الفلسطينية والأراضي الزراعية. وبغض النظر عن وجود علاقة سببية مباشرة بين هذه المنشورات والهجمات الأخيرة، فإن تزامنهما يطرح تساؤلات جدية حول الدور الذي يمكن أن يؤديه خطاب التحريض في تغذية بيئة العنف، خاصة عندما يأتي في سياق يشهد أصلا تصاعدا مستمرا في اعتداءات المستوطنين.

وكانت قرية تل جنوب غرب نابلس محور أخطر الأحداث، بعدما دخلت مجموعات من المستوطنين المسلحين إلى محيط القرية وقاموا بالاعتداء على السكان والبيوت، ما أدى إلى اندلاع مواجهات انتهت بمقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، أحدهما جندي والآخر من المجموعة الإسرائيلية المشاركة في الحادث. ونقلت وكالة رويترز، إن المستوطنين دخلوا المنطقة بهدف مهاجمة القرية، بينما قالت إسرائيل إن الحادث بدأ بعد تعرض مدنيين إسرائيليين لهجوم، قبل أن تقر لاحقا بأن بعضهم كان مسلحا. وأعقب ذلك حملة عسكرية إسرائيلية واسعة داخل القرية شملت اعتقال أكثر من سبعين فلسطينيا، وإقامة مراكز تحقيق ميدانية، وتنفيذ عمليات دهم للمنازل.

ولم تتوقف الاعتداءات عند قرية تل، إذ أفادت تقارير إعلامية وحقوقية بأن مجموعات من المستوطنين شنت هجمات على قرى فلسطينية مجاورة، بينها عورتا وفرعتا وإماتين وصرة، حيث تعرضت منازل ومركبات وأراض زراعية للإحراق وإطلاق نار ورشق بالحجارة، كما أصيب عدد من الفلسطينيين خلال محاولتهم التصدي للهجمات. وترافقت هذه الاعتداءات مع انتشار عسكري إسرائيلي واسع وإقامة حواجز إضافية وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين في المنطقة.

ولم تقتصر الاعتداءات خلال اليومين الماضيين على محافظة نابلس، بل امتدت إلى قرى شرق رام الله وجنوب الخليل، في مؤشر على اتساع النطاق الجغرافي للهجمات. ففي محافظة رام الله، واصلت مجموعات من المستوطنين اعتداءاتها في محيط بلدات سنجل والمغير وأبو فلاح، ودير جرير وترمسعيا وشرق الطيبة، حيث أفادت تقارير حقوقية قيام عصابات المستوطنين بإحراق أراض زراعية ومنازل وسيارات فلسطينية، ورشق منازل ومركبات بالحجارة، والاعتداء على الأهالي الذين حاولوا إخماد الحرائق أو التصدي للمهاجمين. وتعد هذه المنطقة من أكثر المناطق تعرضا لاعتداءات المستوطنين خلال الأشهر الأخيرة، في ظل توسع البؤر الاستيطانية المحيطة بها وتكرار عمليات إغلاق الطرق الزراعية المؤدية إلى الأراضي الفلسطينية.

وفي جنوب الخليل، ولا سيما في منطقة مسافر يطا، استمرت الاعتداءات على التجمعات البدوية والرعوية، حيث تعرض رعاة فلسطينيون لاعتداءات جسدية، ومحاولات للاستيلاء على قطعان الأغنام، إلى جانب تخريب مصادر المياه والبنية التحتية الزراعية، ومنع السكان من الوصول إلى المراعي. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن نمط متكرر يستهدف التجمعات الرعوية الواقعة في المنطقة، وأسهم خلال العامين الماضيين في تهجير عدد من التجمعات أو تقليص وجودها نتيجة تدهور الظروف الأمنية والمعيشية.

وفي نفس السياق، أعلنت منظمة إنقاذ الطفل (Save the Children)، استنادا إلى تحليل لبيانات الأمم المتحدة، أن معدل هجمات المستوطنين في الضفة الغربية ارتفع بنسبة 45% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حيث تم تسجيل أكثر من 1020 حادثة خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقابل 757 حادثة في الفترة ذاتها من العام الماضي. وأوضحت المنظمة أن هذا التصاعد أدى إلى تهجير أكثر من ألف طفل فلسطيني خلال ستة أشهر فقط، نتيجة الاعتداءات المتكررة على التجمعات السكانية، وإحراق المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، واستهداف المدارس وسرقة المواشي، وهي أنماط قالت المنظمة إنها تؤثر بصورة مباشرة على حق الأطفال في الأمن والتعليم والحياة الطبيعية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، الذي يؤكد أن عام 2026 يشهد أحد أعلى معدلات عنف المستوطنين منذ بدء توثيق هذه الحوادث عام 2006. ففي تقاريره الدورية، وثق المكتب مئات الهجمات التي استهدفت أكثر من 220 تجمعا فلسطينيا خلال الأشهر الأولى من العام، بمعدل يقارب ست هجمات يوميا، شملت اعتداءات جسدية، وإحراق منازل ومركبات، وتخريب البنية التحتية، وإتلاف الأراضي الزراعية، إضافة إلى موجات نزوح قسري في عدد من التجمعات البدوية.

وتبرز التجمعات البدوية والرعوية باعتبارها الحلقة الأكثر هشاشة في هذا المشهد. فوفق بيانات الأمم المتحدة، تعرضت 117 تجمعا فلسطينيا منذ كانون الثاني 2023 إلى نزوح كلي أو جزئي نتيجة اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية والرعوية، فيما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين اضطروا إلى مغادرة أماكن سكنهم 5900 شخص، بينهم نحو ألفي شخص خلال عام 2026 وحده، غالبيتهم من النساء والأطفال. وتشير هذه الأرقام إلى أن الاعتداءات لم تعد أحداثا أمنية معزولة، بل باتت تحمل آثارا ديموغرافية وإنسانية متراكمة على المجتمعات الريفية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يشير المحامي حسن مليحات – المشرف العام لمنظمة البيدر الحقوقية إلى أن التطورات الأخيرة تعكس نمطا يتكرر منذ سنوات، يبدأ بخطاب تحريضي يصور القرى الفلسطينية باعتبارها “تهديدا أمنيا”، ثم يتطور إلى اعتداءات ميدانية تستهدف السكان أو ممتلكاتهم، قبل أن يفرض واقعا جديدا من القيود الأمنية أو النزوح أو توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية.

ويكتسب هذا التحليل زخما إضافيا في ضوء ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، التي قالت في تقريرها الصادر في حزيران 2026 إن السلطات الإسرائيلية أسهمت في تهيئة بيئة سمحت بتصاعد اعتداءات المستوطنين، من خلال الدعم والحماية أو الإخفاق في إنفاذ القانون بصورة فعالة، معتبرة أن الإفلات من العقاب كان عاملا رئيسيا في اتساع نطاق هذه الاعتداءات. من جانبها، ترفض الحكومة الإسرائيلية هذه الاتهامات، وتؤكد أنها تتخذ إجراءات ضد أعمال العنف عندما تتوافر الأدلة، كما ترفض توصيفات أممية تتحدث عن وجود سياسة رسمية لدعم اعتداءات المستوطنين.

 

التوصيات
في ضوء المعطيات الميدانية والاتجاهات التي رصدها هذا التقرير، تبرز مجموعة من التوصيات التي قد تسهم في الحد من مخاطر التصعيد وحماية المدنيين:

أولاً، فتح تحقيقات دولية مستقلة في الاعتداءات التي شهدتها قرى نابلس وشرق رام الله وجنوب الخليل، بما يشمل فحص ظروف وقوع الهجمات، ودور جميع الأطراف، وتحديد المسؤوليات استنادا إلى الوقائع والأدلة، وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي.

ثانيا، تعزيز آليات حماية المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما في القرى الزراعية والتجمعات البدوية الواقعة بمحاذاة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، من خلال تكثيف وجود المراقبين الدوليين حيثما أمكن، وتعزيز الرصد الأممي، وضمان وصول السكان الآمن إلى أراضيهم الزراعية ومصادر المياه والمراعي.

ثالثا، التصدي لخطابات التحريض على العنف أيا كان مصدرها، باعتبارها مؤشرا مبكرا على احتمالات التصعيد. ويتطلب ذلك رصد هذه الخطابات، والتحقيق فيها، وتطبيق القوانين ذات الصلة، بما ينسجم مع المعايير الدولية التي تميز بين حرية التعبير والدعوات التي تحرض على العنف ضد المدنيين.

رابعا، تعزيز المساءلة القانونية وإنفاذ القانون بصورة فعالة، بما يضمن التحقيق في جميع الاعتداءات التي تستهدف المدنيين أو ممتلكاتهم، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق إجراءات قضائية مستقلة ونزيهة، للحد من ظاهرة الإفلات من العقاب التي أشارت إليها تقارير أممية وحقوقية متكررة.

خامسا، زيادة الدعم الإنساني والاقتصادي للتجمعات الفلسطينية المتضررة، ولا سيما التجمعات البدوية والرعوية التي تواجه مخاطر النزوح، من خلال حماية مصادر المياه، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وتعويض المتضررين، وضمان استمرار الخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية.

سادسا، اضطلاع الاتحاد الأوروبي بدور أكثر فاعلية في متابعة التطورات في الضفة الغربية، انطلاقا من التزامه المعلن بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي. ويمكن أن يشمل ذلك توسيع جهود الرصد الدبلوماسي، ودعم آليات المساءلة الدولية، وتعزيز الحوار مع السلطات الإسرائيلية لضمان اتخاذ إجراءات فعالة لمنع اعتداءات المستوطنين وإنفاذ القانون بحق مرتكبيها، إلى جانب مواصلة دعم المجتمعات الفلسطينية الأكثر تضررا.

سابعا، إعادة وضع حماية المدنيين في صلب الجهود السياسية والدبلوماسية، باعتبارها مدخلا ضروريا لمنع مزيد من التدهور، وتهيئة الظروف التي تسمح بخفض التصعيد واستئناف أي مسار سياسي مستقبلي يستند إلى القانون الدولي.

 

الخاتمة
تكشف الوقائع التي وثقها هذا التقرير أن الاعتداءات الأخيرة لم تكن مجرد أحداث أمنية متفرقة، بل جاءت ضمن سياق متراكم يتسم بتصاعد معدلات عنف المستوطنين، واتساع رقعة الاستهداف لتشمل القرى الزراعية والتجمعات البدوية في شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها. كما يظهر التزامن بين الخطابات التحريضية التي سبقت هذه الأحداث وبين تصاعد الهجمات الميدانية مؤشرا يستحق المتابعة الدقيقة، حتى وإن كان إثبات العلاقة القانونية المباشرة بينهما يتطلب تحقيقات مستقلة تستند إلى الأدلة.

وتشير البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة إنقاذ الطفل ومنظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية إلى أن الضفة الغربية تشهد منحنى تصاعديا في اعتداءات المستوطنين، ترافقه زيادة في أعداد الضحايا، واتساع نطاق تدمير الممتلكات، وارتفاع معدلات النزوح، خاصة في التجمعات البدوية والرعوية. ويعزز ذلك المخاوف من انتقال العنف من كونه حوادث متفرقة إلى نمط أكثر تنظيما واتساعا، بما يفرض تحديات إنسانية وقانونية وسياسية متزايدة.

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه التطورات عن حالة الاستقطاب السياسي وغياب الأفق التفاوضي، وهي عوامل تجعل البيئة الميدانية أكثر قابلية للاشتعال. كما أن استمرار الاعتداءات، إذا لم يقترن بإجراءات فعالة لمنعها ومحاسبة مرتكبيها، قد يؤدي إلى مزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية، وارتفاع معدلات النزوح الداخلي، وزيادة الضغوط التي قد تدفع كثير من الفلسطينيين إلى البحث عن سبل للهجرة أو طلب الحماية الدولية، وهو ما يمنح الأزمة بعدا يتجاوز حدود الضفة الغربية ليصبح موضع اهتمام إقليمي وأوروبي.

إن استمرار الاعتداءات الاسرائيلية وارتفاع وتيرتها يثيران تساؤلات جدية حول فعالية إنفاذ القانون ومنع الإفلات من العقاب. ومن هنا، فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يكون في رصد أعداد الهجمات فحسب، بل في قدرة المجتمع الدولي والأطراف المعنية على تحويل التحذيرات المتكررة إلى إجراءات عملية تكفل حماية المدنيين، وتمنع تحول التحريض إلى واقع ميداني دائم، وتحد من مخاطر انزلاق الضفة الغربية إلى مرحلة أكثر اتساعا من العنف وعدم الاستقرار، بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن الإقليمي ومستقبل أي تسوية سياسية.