جاري التحميل...

من الحرب إلى تشكّل النظام الإقليمي الجديد؟ الشرق الأوسط أمام «الفيزياء الجديدة للقوة» وإعادة تعريف الأمن والنفوذ

د. صلاح عبد العاطي

ورقة تقدير موقف

لم تعد الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، ولا مجرد فصل جديد في الصراع الممتد حول البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي، وإنما تحولت إلى اختبار تاريخي لبنية الشرق الأوسط نفسها، ولحدود القوة الأميركية والإسرائيلية، ولقدرة إيران على الصمود وإعادة إنتاج أدوات نفوذها، ولقدرة الدول العربية على الانتقال من موقع المتلقي للترتيبات الأمنية إلى موقع المشارك في صياغتها. ومن هنا فإن السؤال الأهم لم يعد: من ربح الجولة العسكرية؟ وإنما: أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحرب، ومن سيمتلك القدرة على كتابة قواعده؟

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، لم تعد آثارها محصورة في ساحات القتال المباشر، بل امتدت إلى القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة والمطارات والموانئ ومحطات تحلية المياه والممرات البحرية، وارتبطت بصورة خاصة بأمن مضيق هرمز والبحر الأحمر، وبالاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. كما اتسعت دائرة التصعيد لتطال دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب، بما جعل الحرب تتحول تدريجياً من مواجهة مع إيران إلى أزمة إقليمية متعددة المستويات، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الطاقة والاقتصاد والملاحة والسياسة والتحالفات. وقد خلص تحليل حديث نشرته Foreign Affairs إلى أن الخطر الأعمق لا يكمن فقط في حجم الدمار، وإنما في التصدعات التي أحدثتها الحرب في النظام الإقليمي وفي علاقة دول المنطقة بالولايات المتحدة.

1. الشرق الأوسط أمام لحظة تأسيس
تكمن أهمية اللحظة الراهنة في أن النظام القديم لم يسقط بصورة كاملة، لكنه فقد جزءاً مهماً من قدرته على إنتاج الاستقرار، فيما لم يولد النظام البديل بعد. فالولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية الأكثر قدرة على التدخل، وإسرائيل ما زالت تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً نوعياً، وإيران ما زالت قوة إقليمية كبرى ذات جغرافيا وموارد وقدرات صاروخية وشبكات نفوذ، بينما بدأت السعودية وتركيا ومصر وقطر وعُمان وباكستان في إعادة تعريف مصالحها الأمنية على نحو أكثر استقلالاً.
ولذلك فإن ما يجري ليس انتقالاً بسيطاً من هيمنة أميركية إلى هيمنة إيرانية، بل انتقال من نظام أحادي المركز إلى بيئة أكثر تعددية وتنافساً وتعقيداً. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في ضوء المقال الذي نشره روبرت كاغان في The Atlantic في 23 أغسطس/آب 2026 تحت عنوان «Iran Unleashed»، والذي ذهب فيه إلى استنتاج شديد الدلالة بأن إيران أصبحت القوة المهيمنة في الشرق الأوسط بدلاً من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
لا ينبغي التعامل مع حكم كاغان بوصفه وصفاً نهائياً للواقع، لكنه مهم للغاية بوصفه تحولاً في إدراك أحد أبرز منظري القوة الأميركية لطبيعة ميزان القوى الجديد. فالرجل الذي ارتبط تاريخياً بفكرة القوة الأميركية والتدخل لإعادة تشكيل النظام الدولي، يقر بأن الحرب لم تؤد إلى إخضاع إيران، وأن قدرة واشنطن على استخدام القوة أصبحت أكثر تقييداً بكلفة التصعيد ومخاطره.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: قد لا يكون التحول في الشرق الأوسط ناتجاً عن انتصار إيراني تقليدي بقدر ما يكون ناتجاً عن انكشاف حدود القوة التي كانت تدير الإقليم من الخارج.

2. من الحرب الشاملة إلى حرب الاستنزاف المركبة
لا يزال خطر الحرب الشاملة قائماً، لكن استمرارها بات أكثر كلفة على جميع الأطراف. فالولايات المتحدة تواجه استنزافاً عسكرياً وسياسياً، وإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية عميقة، وإسرائيل تواجه سؤال «اليوم التالي»، بينما تخشى دول الخليج أن تتحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحات مباشرة للصراع.
ولهذا يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من الحرب التقليدية: حرب استنزاف اقتصادية وعسكرية وسيبرانية واستخبارية، تتداخل فيها العقوبات مع الضربات المحدودة والتهديدات والضغط على الملاحة والطاقة والوساطات السياسية.
وهذا السيناريو أكثر خطورة مما يبدو؛ لأن غياب الرغبة في الحرب الشاملة لا يعني غياب إمكانية اندلاعها. فقد تتحول الحرب إلى نتيجة لسلسلة من الحسابات الخاطئة، وليس إلى قرار سياسي منفرد.

3. «نورماندي الاقتصادية»: هل تستطيع العقوبات تحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية؟
في ظل صعوبة تحقيق الحسم العسكري، انتقلت واشنطن بصورة متزايدة إلى استخدام القوة المالية والاقتصادية. فقد وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استراتيجية العقوبات والإقصاء الاقتصادي بأنها قادرة على ممارسة «خنق اقتصادي» لإيران، فيما تكشف تقارير أميركية أن إدارة ترامب تحاول استخدام العقوبات لإجبار طهران على العودة إلى التفاوض من دون الاضطرار إلى خوض حملة عسكرية جديدة واسعة.
وهنا تظهر استعارة «نورماندي الاقتصادية»: محاولة تقديم الحصار المالي باعتباره عملية الإنزال الحاسمة التي ستفتح الطريق أمام استسلام الخصم.
لكن المشكلة أن إيران ليست أمام تجربة جديدة. فقد عاشت تحت العقوبات لعقود، وطورت شبكات بديلة للتجارة والتمويل، ووسعت علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا وآسيا، واستثمرت في قدرات الإنتاج المحلي.
وهذا لا يعني أن العقوبات غير فعالة. بالعكس، العقوبات قادرة على إحداث أضرار هائلة، ورفع التضخم، وتقييد التجارة والاستثمار، والضغط على مستوى معيشة المواطنين. لكنها لا تنتج بالضرورة النتيجة السياسية التي تريدها الدولة التي تفرضها.
فالفرق كبير بين إضعاف الاقتصاد وإخضاع الدولة.
وإذا كانت «نورماندي» العسكرية لم تنتج انهيار إيران، فإن «نورماندي» الاقتصادية قد تجعل الحياة أصعب، لكنها لا تضمن سقوط النظام أو فرض شروط واشنطن.
بل إن الإفراط في استخدام العقوبات قد يدفع العالم إلى تسريع بناء مسارات مالية وتجارية بديلة، بما يحول القوة الاقتصادية الأميركية من أداة للهيمنة إلى محفز تدريجي لتقليل الاعتماد عليها.

4. إيران: خسارة بعض الأوراق لا تعني خسارة القدرة على المناورة
من الخطأ أيضاً الانتقال من المبالغة في تقدير القوة الإيرانية إلى المبالغة في تقدير ضعفها.
إيران تعرضت لضربات عسكرية وأمنية واقتصادية عميقة، وتضررت قدراتها، وخسرت بعض عناصر المبادرة، وتراجعت فاعلية بعض أدوات نفوذها التقليدية. لكنها في المقابل لم تنهَر ولم تُخضع، وتمكنت من تحويل بعض عناصر ضعفها إلى أدوات ردع.
الجغرافيا الإيرانية، والسكان، والموارد، والطاقة، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والخبرة الطويلة في العمل تحت العقوبات، والقدرة على تحمل الكلفة، كلها عوامل تمنح طهران قدرة على المناورة لا يمكن إلغاؤها بضربة جوية.

وهذا هو جوهر التحول: قد تصبح إيران أضعف في بعض عناصر القوة التقليدية، لكنها تصبح أكثر قدرة على استخدام عناصر أخرى بصورة أكثر ذكاءً.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل انتصرت إيران أم انهزمت؟ وإنما: ماذا فقدت؟ وماذا احتفظت به؟ وكيف ستعيد تركيب أدوات قوتها في المرحلة المقبلة؟

5. هرمز: عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية
أثبت مضيق هرمز أن التكنولوجيا العسكرية لم تلغِ أهمية الجغرافيا.
فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، وإنما عقدة استراتيجية تربط الخليج بالاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في الملاحة ينعكس على الطاقة والتأمين والشحن والتضخم وسلاسل الإمداد.
وقد جعلت الحرب هرمز واحداً من أهم مصادر النفوذ الإيراني. ويذهب كاغان إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن قدرة إيران على التأثير في المرور عبر المضيق أصبحت أداة قوة يومية أكثر تأثيراً من امتلاك السلاح النووي نفسه، لأن تأثيرها يمتد إلى عشرات الدول المرتبطة بأمن الطاقة.

وقد يكون هذا التقدير مبالغاً فيه، لكنه يكشف حقيقة استراتيجية أساسية: من يملك القدرة على التأثير في الممرات الحيوية يستطيع التأثير في الاقتصاد والسياسة حتى من دون تحقيق تفوق عسكري شامل.
وهنا يتحول هرمز من قضية ملاحة إلى سؤال حول مستقبل أمن الخليج: هل يبقى الأمن البحري رهينة الوجود الأميركي، أم يصبح جزءاً من منظومة أمن جماعي إقليمية؟

6. السياسة لم تمت: الوساطة بوصفها بديلاً عن الانفجار
رغم كل التصعيد، لم تختفِ السياسة.
وتكتسب قطر وعُمان وباكستان أهمية خاصة لأنها تمتلك قنوات اتصال مع أطراف متعارضة، ولأنها تستطيع التحرك في المناطق الرمادية التي تعجز فيها الدبلوماسية الرسمية.

لكن الوساطة الناجحة لا تعني مجرد نقل الرسائل. المطلوب هو بناء تفاهمات بشأن العقوبات، والبرنامج النووي، وحرية الملاحة، والضمانات الأمنية، وإعادة التجارة، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج.
ولهذا فإن نفي وجود مفاوضات علنية لا يعني بالضرورة أن السياسة توقفت. ففي الحروب المعقدة، كثيراً ما تبدأ التسويات في القنوات الخلفية قبل أن تظهر في البيانات الرسمية.

7. واشنطن: من الحسم إلى إدارة الخروج
تكشف التحولات الأميركية عن معضلة جوهرية: واشنطن تستطيع ضرب إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة تحمل كل نتائج الحرب التي قد تنتج عن ضربها.
وتشير القراءة التي نشرتها The Atlantic إلى أن محدودية مخزونات الذخائر الاعتراضية والصواريخ، ومخاطر تعرض القواعد والقوات الأميركية، والتهديد الذي قد يطال البنية التحتية للطاقة في الخليج، كلها قيود تجعل الحرب المفتوحة أكثر كلفة.

وفي المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن الإدارة الأميركية انتقلت إلى العقوبات بوصفها وسيلة ضغط بديلة، في ظل صعوبة تحقيق نتيجة عسكرية حاسمة.
وهنا يصبح السؤال: هل تتحول العقوبات إلى استراتيجية انتصار، أم إلى استراتيجية خروج تحفظ ماء الوجه؟
إذا كانت واشنطن غير قادرة على تحقيق أهدافها القصوى عسكرياً، فقد تصبح مهمتها الأساسية هي إدارة انتقال من الحرب إلى تفاوض يحفظ الحد الأدنى من الردع الأميركي، بدلاً من محاولة تحقيق إخضاع كامل لإيران.

8. إسرائيل: التفوق العسكري ومأزق اليوم التالي
لا يمكن فصل الحرب على إيران عن المشروع الإسرائيلي الأوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية للشرق الأوسط.

لكن التجربة تكشف مرة أخرى أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة الاستقرار السياسي.

قد تستطيع إسرائيل تدمير منشآت، واستهداف قيادات، وتوجيه ضربات دقيقة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إنتاج نظام سياسي مستقر يقبل به الآخرون.
وهذا هو مأزق «اليوم التالي»: ماذا يحدث بعد الضربة؟ من يدير الفراغ؟ ومن يضمن ألا تتحول الضربة إلى جولة جديدة من الردع المتبادل؟

ولهذا فإن أي نظام إقليمي يقوم على «أمن إسرائيل أولاً» سيظل هشاً، لأنه يتجاهل جذور الصراع ومصادر عدم الاستقرار، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

9. الخليج: الثقة بواشنطن تتراجع، لكن البديل لم يولد
من أهم نتائج الحرب أنها دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في مفهوم الحماية.
فالدول الخليجية لا تريد إيران مهيمنة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه حرباً تدمر اقتصاداتها ومنشآتها. وهي تحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنها لم تعد قادرة على افتراض أن واشنطن ستتصرف دائماً بما ينسجم مع مصالحها.

وقد أشار تحليل Foreign Affairs إلى تراجع الثقة في الضمانة الأمنية الأميركية، وإلى تسارع اتجاه دول المنطقة نحو تنويع الشراكات الدفاعية والاقتصادية مع تركيا وباكستان وأوروبا والصين وروسيا.
لكن هذا التنويع لا يعني الاستغناء عن الولايات المتحدة، إذ لا توجد قوة أخرى تستطيع أن تحل محلها عسكرياً في المدى المنظور.
وبذلك يصبح الاتجاه الجديد هو تنويع الاعتماد لا إنهاء الاعتماد.

10. من التحالفات إلى هندسة التوازن الإقليمي
هذه التحولات تفتح الباب أمام شكل جديد من السياسة الإقليمية لا يقوم على تحالفات جامدة، بل على تعدد الشراكات وتوازن المصالح.
السعودية تتحرك نحو تنويع علاقاتها الأمنية، وتركيا تسعى إلى توسيع مجال استقلالها الاستراتيجي، وباكستان تدخل بصورة أكبر في معادلات الوساطة والأمن، ومصر معنية بمنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة، فيما تلعب قطر وعُمان أدواراً دبلوماسية تتجاوز حجمهما الجغرافي.
وهذا لا يعني ولادة حلف عربي أو إسلامي موحد، وإنما بداية ظهور هندسة إقليمية متعددة المراكز.
وقد تكون هذه المرحلة فرصة تاريخية لبناء ترتيبات أمن جماعي تقلل من الحاجة إلى الاستعانة الدائمة بالقوى الخارجية.

11. «الفيزياء الجديدة للقوة»: من يستطيع الضرب ليس بالضرورة من يستطيع الانتصار
هنا تكتسب مقاربة توماس فريدمان أهمية خاصة.
ففي مقاله المنشور في أغسطس/آب 2026 بعنوان «The New Physics of Power»، ينطلق فريدمان من فكرة أن الحروب تكشف تغير «فيزياء العالم»؛ أي تكشف من يملك القوة، وكيف تعمل هذه القوة، ولماذا لم تعد قواعدها القديمة كافية لتفسير النتائج.
وهذا التحول جوهري.
فالقوة اليوم ليست عدد الطائرات والصواريخ فقط، وإنما منظومة مركبة من التكنولوجيا والاستخبارات والاقتصاد والطاقة والجغرافيا والشبكات والمرونة الاجتماعية والقدرة على تحمل الضغوط.
قد تدمر دولة منشأة عسكرية، لكن لا تستطيع تدمير إرادة مجتمع.
وقد تخنق العقوبات اقتصاداً، لكنها قد تدفع الدولة المستهدفة إلى ابتكار شبكات بديلة.

وقد تسيطر قوة عسكرية على المجال الجوي، لكنها لا تسيطر بالضرورة على الممرات البحرية والأسواق وسلاسل الإمداد.
وهكذا يتغير معيار النصر.

لم يعد السؤال: من يستطيع أن يضرب أكثر؟ بل: من يستطيع أن يحول القوة إلى نتيجة سياسية مستدامة؟
وهذا هو الفارق بين القوة العسكرية والقوة الاستراتيجية.

12. الصين وروسيا وأوروبا: ولادة التعددية القطبية المرنة
لا تريد الصين حرباً شاملة تهدد الطاقة والتجارة، ولا تريد روسيا مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، فيما تحتاج أوروبا إلى الاستقرار وحرية الملاحة والطاقة.
لكن هذه القوى لا تريد أيضاً أن تنتهي الحرب بانتصار أميركي يعيد إنتاج نظام أحادي القطبية في الشرق الأوسط.

ومن هنا تتحرك الصين وروسيا نحو منع عزل إيران بالكامل، فيما تدفع أوروبا باتجاه احتواء التصعيد والحفاظ على القنوات الدبلوماسية.
وهكذا يتشكل نظام دولي أكثر تعددية، لكن ليس بالضرورة أكثر استقراراً.
إنه عالم تتراجع فيه قدرة القوة الواحدة على فرض إرادتها، من دون أن تنجح القوى الأخرى بعد في بناء بديل موحد.

13. الاقتصاد العالمي: عندما تتحول الحرب إلى أزمة دولية
لم تعد الحرب شرق أوسطية،
فهرمز يؤثر في الطاقة، والطاقة تؤثر في التضخم، والتضخم يؤثر في الاقتصاد والسياسة والانتخابات، والاقتصاد يعيد بدوره تشكيل القرارات العسكرية.

ولهذا أصبح الاقتصاد جبهة قائمة بذاتها.
كما أن استمرار اضطراب هرمز والبحر الأحمر يمكن أن يضغط على الاقتصادات الخليجية، بما فيها الدول الغنية ذات الصناديق السيادية الضخمة، إذا تحول اضطراب الطاقة من أزمة مؤقتة إلى مشكلة هيكلية. وقد حذرت Foreign Affairs من أن العراق والبحرين سيكونان بين الأكثر تعرضاً للخطر، فيما قد يضغط استمرار الاضطراب حتى على الاقتصادات الخليجية الأقوى.

وهنا تظهر أهمية بناء مخزونات استراتيجية ومسارات تصدير بديلة وتنويع الاقتصادات، لكن هذه الإجراءات تبقى أدوات للتكيف لا بديلاً عن حل سياسي.

14. فلسطين وغزة: الاختبار الحقيقي لأي نظام إقليمي جديد
لا يمكن بناء نظام أمني إقليمي مستقر بينما تبقى فلسطين خارجه.

لقد حاولت إسرائيل على مدى السنوات الماضية إعادة تعريف أمن المنطقة باعتباره «أمن إسرائيل أولاً»، لكن تجربة غزة ولبنان وسوريا وإيران أظهرت أن التفوق العسكري لا يستطيع إلغاء جذور الصراع.

غزة ليست ملفاً إنسانياً منفصلاً عن الأمن الإقليمي، بل إحدى عقده الأساسية.

وإذا انتهت الحرب على إيران بينما بقي الاحتلال والاستيطان والحصار والحرب في غزة، فلن تكون المنطقة قد خرجت من الأزمة، وإنما ستكون قد أجلت انفجارها.

ولهذا فإن أي نظام أمني إقليمي جديد يجب أن يتضمن، بصورة لا لبس فيها، وقف الحرب في غزة، وإعادة الإعمار، ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته.

لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام فوق احتلال دائم.

15. أربعة مسارات للمرحلة المقبلة

أمام الشرق الأوسط أربعة مسارات رئيسية.

الأول هو التسوية المؤقتة، بحيث تنجح الوساطات في إنتاج تفاهم حول هرمز والعقوبات والملف النووي، بما يسمح بخفض التصعيد وفتح مسار سياسي.

الثاني هو حرب الاستنزاف الطويلة، وهو المسار الأكثر قابلية للاستمرار إذا فشلت التسوية، ويجمع العقوبات والضغط الاقتصادي والعمليات المحدودة والحرب السيبرانية والاستخبارية واضطراب الملاحة.

الثالث هو الحرب الشاملة، إذا انهارت قنوات الاتصال أو وقعت ضربة استراتيجية تقود إلى رد واسع يمتد إلى الخليج والطاقة والقواعد الأميركية والبحر الأحمر ولبنان وسوريا والعراق.

أما الرابع فهو إعادة تأسيس النظام الإقليمي، وهو الأصعب لكنه الأكثر أهمية، عبر بناء ترتيبات أمن جماعي تضم الدول العربية الرئيسية وإيران وتركيا وقطر وعُمان والعراق وباكستان، مع دعم دولي متوازن، على أساس السيادة وعدم الاعتداء وحرية الملاحة والتعاون الاقتصادي وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية.

والفارق بين هذه المسارات لن تحدده القوة العسكرية وحدها، وإنما قدرة الأطراف على إدراك أن استمرار الحرب قد يصبح أكثر كلفة من مكاسبها.

الخلاصة: من يكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟

تكشف الحرب أن الشرق الأوسط لم يعد قادراً على العودة ببساطة إلى النظام الذي سبقها.

الولايات المتحدة لم تفقد قوتها، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على تحويل القوة إلى إرادة سياسية مطلقة.

وإيران لم تحقق انتصاراً تقليدياً، لكنها نجحت في منع تحويل التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي إلى إخضاع استراتيجي كامل، واحتفظت بعناصر قوة مهمة، وفي مقدمتها الجغرافيا والطاقة والقدرات الصاروخية والقدرة على تحمل العقوبات والتأثير في هرمز.

وإسرائيل حققت إنجازات عسكرية كبيرة، لكنها لم تثبت أن التفوق العسكري وحده قادر على بناء نظام إقليمي مستقر.

أما الدول العربية وتركيا وباكستان، فقد بدأت تنتقل تدريجياً من منطق الاعتماد الأحادي إلى منطق تنويع الشراكات وبناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

وهنا تتقاطع دلالة كاغان مع «الفيزياء الجديدة للقوة» عند فريدمان: المشكلة لم تعد في امتلاك القوة، بل في القدرة على تحويلها إلى نظام سياسي مستدام.

ولهذا فإن الحديث عن «صعود إيران» يجب ألا يُفهم باعتباره انتقالاً آلياً من هيمنة أميركية إلى هيمنة إيرانية، بل باعتباره دليلاً على أن احتكار القوة الأميركية لإدارة المنطقة أصبح أكثر صعوبة، وأن إيران باتت قادرة على فرض نفسها كأحد المراكز الأساسية في هندسة النظام الجديد. وهذا فارق جوهري بين قراءة واقعية للتحول وقراءة دعائية للانتصار.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:

من سيكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟
إذا كتبتها القوة وحدها، ستولد حرب جديدة.
وإذا كتبتها إسرائيل وحدها، فسيولد نظام أمني إسرائيلي فوق المنطقة.
وإذا حاولت إيران كتابتها منفردة، فلن تقبل بها الدول العربية.
أما إذا شاركت الدول العربية وإيران وتركيا وباكستان، وبمشاركة دولية متوازنة، في بناء نظام يقوم على الأمن الجماعي والسيادة وعدم الاعتداء وحرية الملاحة والتعاون الاقتصادي والقانون الدولي، فقد تتحول الحرب من كارثة إلى نقطة تأسيس.

وهنا يجب أن تنتقل الدول العربية من إدارة المخاطر إلى صناعة التوازن؛ فلا الارتهان الكامل لواشنطن، ولا الخضوع لنفوذ إيران، ولا القبول بمنظومة أمنية إسرائيلية، وإنما بناء استقلال استراتيجي عربي قادر على حماية المصالح العربية والمشاركة في صناعة النظام الإقليمي.

لكن هذا الاستقلال لا يمكن أن يكون منفصلاً عن فلسطين.

فلسطين ليست ملفاً يؤجل إلى ما بعد إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بل هي أحد مفاتيح هذا الترتيب.

فلا سلام إقليمياً دائماً مع احتلال دائم، ولا أمن مستداماً مع الاستيطان والحصار، ولا نظام إقليمي مستقراً بينما يحرم شعب كامل من حقه في الحرية وتقرير المصير.

لقد كشفت الحرب أن النظام القديم يتآكل، لكنها لم تحسم بعد شكل النظام الجديد.

وهنا تكمن الفرصة والخطر.

الفرصة أن تتحول الوساطات القطرية والعُمانية والباكستانية، والحوار السعودي–الإيراني، والأدوار المصرية والتركية، إلى نواة لترتيبات أمن إقليمي جديدة.

والخطر أن تسبق الصواريخ الدبلوماسية، وأن تتحول العقوبات إلى حرب اقتصادية مفتوحة، وأن يصبح هرمز ساحة صراع دائم، وأن تستثمر إسرائيل حالة الفوضى لإعادة رسم المنطقة بالقوة.

لذلك فإن منع الحرب الشاملة ليس مجرد موقف أخلاقي أو دعوة دبلوماسية، بل هو مصلحة استراتيجية عربية وإقليمية ودولية.

لكن منع الحرب لا يعني إعادة إنتاج النظام القديم.

المطلوب هو الانتقال من الهيمنة إلى التوازن، ومن الردع المنفرد إلى الأمن الجماعي، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية إلى بناء قدرة إقليمية على صناعة الأمن.

وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول البرنامج النووي الإيراني، ولا حول مضيق هرمز، ولا حول العقوبات، ولا حتى حول مستقبل النظام الإيراني.

إنها معركة على من يملك حق صناعة المستقبل.

فإما أن يولد الشرق الأوسط الجديد من الخوف والحصار والقوة والحروب المتكررة، وإما أن يولد من التوازن والعدالة والقانون والمصالح المشتركة.

وفي قلب هذا الخيار تقف فلسطين.

ولهذا فإن السؤال الذي سيحسم نتيجة هذه المرحلة ليس:

من ربح الحرب؟ بل:من استطاع أن يحوّل نتائج الحرب إلى نظام إقليمي جديد؟

وهنا تحديداً ستُكتب نتيجة معركة الشرق الأوسط الكبرى.