دكتوراه في دراسات غرب آسيا
مقدمة
يأتي انعقاد المؤتمر الوطني الخامس لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، تتجاوز كونها محطة سياسية عابرة لتشكل مفترق حاسم في مسار المشروع الوطني الفلسطيني. فالمشهد العام يتسم بتشابك غير مسبوق بين الأزمات الداخلية الفلسطينية، والهجمة الإسرائيلية غير المسبوقة، الى جانب الانزياحات الحادة في النظامين الإقليمي والدولي، في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات منهجية لإعادة تعريفها، لا بوصفها قضية تحرر وطني، بل كأزمة إنسانية أو ملف أمني قابل للإدارة لا للحل.
وفي قلب هذا المشهد، تتواصل حرب الإبادة على قطاع غزة، ليس فقط كحدث عسكري، بل كأداة سياسية لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة على الأرض تهدف إلى تقويض أسس الدولة الفلسطينية قبل اكتمال ملامحها. ويتزامن ذلك مع تسارع سياسات الضم والتهجير القسري في الضفة الغربية، وتفريغ القدس من مضمونها السياسي والديموغرافي، في ظل تراجع فعالية منظومة القانون الدولي، وعجزها المتكرر عن فرض الحد الأدنى من المساءلة أو الحماية للشعب الفلسطيني.
أمام هذا الواقع، لم يعد سؤال الدولة الفلسطينية سؤالاً نظرياً أو مؤجلاً، بل بات سؤالاً ملحاً يتصل مباشرة بإعادة تعريف أدوات النضال الوطني، ووظائف المؤسسات، ومعنى الشرعية السياسية في سياق تحرري غير مكتمل. ومن هنا، يكتسب مؤتمر “فلسطين 2026… إلى أين؟ تجسيد الدولة”؛ أهميته بوصفه محاولة استقصائية جماعية للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن الانتقال من خطاب الدولة إلى ممارستها، ومن الاعتراف السياسي بها إلى ترسيخ مقوماتها الفعلية على الأرض؟
تسعى هذه القراءة التحليلية إلى تفكيك مضامين البيان الختامي للمؤتمر، واستقصاء أهدافه واستراتيجياته، والوقوف على الكيفية التي يحاول من خلالها الإجابة عن سؤال المرحلة: كيف يمكن، في ظل هذا الكم من التحديات، إعادة وضع مشروع الدولة الفلسطينية على سكة الفعل المتحرك، لا بوصفه أفقا مؤجلاً، بل كمسار كفاحي قابل للتجسيد.
أولا: الأهداف المركزية للمؤتمر
تنطلق الأهداف المركزية لمؤتمر “تجسيد الدولة” من إدراك واضح بأن الأزمة الفلسطينية الراهنة ليست أزمة ظرفية أو تكتيكية، بل أزمة مشروع وطني يتعرض لمحاولات تفكيك ممنهجة على المستويين السياسي والمفاهيمي. ومن هنا، يعكس البيان الختامي للمؤتمر محاولة واعية لإعادة تثبيت مرتكزات هذا المشروع، ليس بوصفها مسلمات خطابية، بل كقواعد ناظمة لأي مسار عملي يستهدف تجسيد الدولة الفلسطينية. ويمكن تتبع هذه الأهداف ضمن أربع مسارات مترابطة، يكمل بعضها بعضا، ويكتسب كل منها معناه من تكامله مع الآخر.
في المسار الأول، يضع المؤتمر ترسيخ الثوابت الوطنية في صلب أولوياته، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يمنح المشروع الوطني تماسكه واستمراريته. فقد شدد البيان الختامي على مركزية القدس بوصفها العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، لا كعنوان رمزي فحسب، بل كجوهر للسيادة الوطنية ومعيار لعدالة أي حل سياسي. كما أكد على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وما يترتب على ذلك من ضرورة صون دورها التاريخي وتطوير بنيتها ووظائفها لتكون قادرة على قيادة مرحلة التحرر الوطني والانتقال نحو تجسيد الدولة. ويعكس هذا التأكيد قناعة بأن أي تجاوز لهذه الثوابت من شأنه تفريغ الدولة من مضمونها السياسي والوطني.
أما المسار الثاني، فيتصل بمحاولة إعادة تعريف الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، ونقله من خانة الإنجاز الرمزي إلى فضاء الفعل السياسي والقانوني المؤثر. إذ يتعامل المؤتمر مع الاعترافات الدولية المتراكمة باعتبارها رأسمال سياسي يجب استثماره، ليس فقط الاكتفاء بتسجيله. فالهدف لم يعد حشد مواقف أخلاقية متضامنة، بل توظيف هذا الاعتراف لتعزيز حضور فلسطين في المنظومة الدولية، وتوسيع دائرة مساءلة الاحتلال، وتحويل القانون الدولي من نصوص معطلة إلى أدوات ضغط فعلي تساهم في إنهاء الاحتلال وترسيخ مقومات الدولة على الأرض.
المسار الثالث، يبرز هدف إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، بوصفه شرط لا غنى عنه لاستعادة الفاعلية والشرعية. فقد شدد بيان المؤتمر على أن استمرار الانقسام لا يمثل فقط خلل سياسي، بل تهديد بنيوي لمشروع الدولة ذاته، إذ يقوض وحدة القرار، ويضعف القدرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية. من هنا، دعا البيان إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز دور الشباب والمجتمع المدني، وبناء نظام تعددي يحول دون التفرد والإقصاء، ويعيد ربط السلطة السياسية بإرادة المجتمع، باعتبار ذلك مدخل أساسي لاستعادة الثقة الشعبية وتجديد الشرعية الوطنية.
أما المسار الرابع، فيتمحور حول تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني بوصفه وحدة البناء الأساسية للدولة. فالبيان الختامي لا يتعامل مع الدولة مجرد كيان سياسي أو إطار قانوني، بل محصلة صمود يومي منقطع النظير يتجسد في بقاء الفلسطيني متجذراً بأرضه، وقدرته على مواجهة سياسات الإفقار والاقتلاع. وفي هذا السياق، يربط المؤتمر بشكل واضح بين تجسيد الدولة وتعزيز صمود المواطنين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدا أن قطاع غزة ليست قضية إغاثة إنسانية منفصلة، بل جزء أصيل من الجغرافيا والسيادة الفلسطينية، وأن أي مقاربة تفصل بين البعد الإنساني والبعد الوطني إنما تسهم، عن قصد أو غير قصد، في تفكيك فكرة الدولة نفسها.
ثانيا: الاستراتيجيات التي طرحها المؤتمر
لا يقف البيان الختامي للمؤتمر عند حدود تشخيص الأهداف أو إعادة تأكيد الثوابت، بل يتجاوز ذلك إلى طرح مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تهدف إلى ردم الفجوة المزمنة بين الخطاب الوطني وممارسات الحكم، وبين الاعتراف السياسي بالدولة ومتطلبات تجسيدها الفعلي. وتنطلق هذه الاستراتيجيات من قناعة أساسية مفادها أن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تقوم على إجراءات جزئية أو مقاربات منفصلة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من السياسات المتناسقة التي تعالج الخلل البنيوي في البنية السياسية والمؤسسية والاقتصادية.
في هذا الإطار، يبرز التكامل المؤسسي بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات الدولة كإحدى الركائز المركزية التي شدد عليها المؤتمر. فالبيان يعكس إدراكاً بأن ازدواجية المرجعيات، أو غموض توزيع الأدوار بين المنظمة والسلطة، أسهمت في إضعاف وحدة القرار السياسي وظهور حالة من الارباك. من هنا، يدعو المؤتمر إلى صياغة علاقة تكاملية واضحة، تحفظ فيها للمنظمة مكانتها كمرجعية سياسية عليا وقائدة لمشروع التحرر، في مقابل تطوير مؤسسات الدولة بوصفها أدوات تنفيذية وإدارية، بما يضمن وحدة التوجه السياسي وتماسك القرار الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.
وتتصل بهذه الرؤية المؤسسية استراتيجية الوحدة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، التي يضعها المؤتمر كشرط تأسيسي غير قابل للتفاوض في مسار تجسيد الدولة. فالبيان يرفض بشكل صريح أي مقاربات سياسية أو أمنية أو إنسانية تتعامل مع الجغرافيا الفلسطينية بوصفها وحدات منفصلة، أو تسعى إلى تكريس الفصل بين غزة والضفة. ويؤكد أن الدولة الفلسطينية، في جوهرها، وحدة أرض وشعب وسيادة، وأن أي حلول تتجاوز هذا المبدأ إنما تعيد إنتاج واقع التجزئة، وتفرغ فكرة الدولة من مضمونها السياسي والقانوني.
وفي بعد موازي، يطرح المؤتمر استراتيجية بناء سردية وطنية فلسطينية موحدة، بوصفها أداة مركزية في معركة الوعي والرواية. فالبيان يعكس قناعة بأن أحد أوجه الخلل في الأداء الفلسطيني يكمن في تشتت الخطاب السياسي والإعلامي، ما أتاح للرواية الإسرائيلية أن تفرض نفسها في العديد من المحافل الدولية. ومن هنا، يؤكد المؤتمر على ضرورة صياغة خطاب وطني جامع، يستند إلى القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، ويعيد تعريف الصراع باعتباره قضية تحرر وطني، وليس نزاع أمني أو إنساني، بما يعزز القدرة على كسب الرأي العام الدولي وتحصين الموقف السياسي الفلسطيني.
وفي السياق الداخلي، يحتل الإصلاح المؤسسي الشامل ومكافحة الفساد موقعا محوريا ضمن الاستراتيجيات المقترحة، باعتباره مدخلًا لا غنى عنه لاستعادة الثقة الشعبية. فالبيان يتعامل مع الإصلاح ليس كخيار إداري أو استجابة ظرفية للضغوط، بل كشرط بنيوي لرفع جاهزية مؤسسات السلطة الوطنية للانتقال من إدارة الحكم الذاتي المحدود إلى ممارسة وظائف الدولة. ويشمل ذلك تحسين الأداء المؤسسي، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ المساءلة، بما يعيد ربط المؤسسات بإرادة المجتمع ويمنحها شرعية مستدامة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيؤكد المؤتمر على ضرورة التحول نحو اقتصاد الصمود والسيادة الاقتصادية، باعتباره أحد أعمدة تجسيد الدولة الفلسطينية. فالبيان يشخص التبعية البنيوية للاقتصاد الفلسطيني للاحتلال كأحد أبرز معوقات الاستقلال السياسي، ويدعو إلى تبني سياسات اقتصادية تقلل من هذه التبعية، وتعزز الاعتماد على الذات. وفي هذا السياق، يبرز تفعيل سوق رأس المال الفلسطيني كأداة استراتيجية لتمويل التنمية الوطنية، وتحفيز الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكا فاعلا في بناء الاقتصاد الوطني، لا مجرد تابع لاقتصاد الاحتلال.
ثالثا: إلى ماذا يهدف المؤتمر في جوهره؟
لا يطرح مؤتمر “تجسيد الدولة” سؤال الدولة بوصفه تمريناً نظرياً أو ترفاً فكرياً في لحظة أزمات، بل يتعامل معه كسؤال جوهري يتصل مباشرة بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ومآلاته التاريخية. ففي جوهره، يسعى المؤتمر إلى إعادة تعريف معنى الدولة الفلسطينية، ليس كغاية مؤجلة أو كإعلان سياسي مرهون بتوازنات دولية متقلبة، بل كمسار تحرري تراكمي يجب الشروع في بنائه فعليا، رغم الاحتلال، لا انتظار زواله الكامل.
وينطلق هذا الهدف الجوهري من نقد ضمني للمقاربات السابقة التي اختزلت الدولة في بعدها الدبلوماسي أو القانوني، وربطت تحققها حصريا بلحظة اعتراف دولي أو تسوية سياسية نهائية. في المقابل، يطرح المؤتمر تصور أعمق للدولة باعتبارها بنية سياسية ومجتمعية متكاملة، تقوم على ممارسة السيادة حيثما أمكن، وبناء المؤسسات القادرة على خدمة المجتمع، وتعزيز صمود الإنسان الفلسطيني بوصفه حامل المشروع الوطني. وبهذا المعنى، يسعى المؤتمر إلى نقل فكرة الدولة من حيز الوعد السياسي إلى فضاء الفعل اليومي.
كما يهدف المؤتمر، في جوهره، إلى إعادة ترتيب أولويات المشروع الوطني في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها القضية الفلسطينية. فمع تصاعد سياسات الإلغاء والتهجير، وتآكل فرص الحلول التقليدية، يصبح تجسيد الدولة أداة دفاعية بقدر ما هو مشروع تحرري، إذ يشكل إطاراً جامعاً لمواجهة محاولات تفكيك الهوية السياسية الفلسطينية وتحويل الشعب الفلسطيني إلى جماعات معزولة أو ملفات إنسانية منفصلة. ومن هنا، يتعامل المؤتمر مع الدولة كوسيلة للحفاظ على وحدة القضية، لا مجرد نتيجة لها.
وفي بعده السياسي الداخلي، يسعى المؤتمر إلى إعادة وصل الدولة بالمجتمع، بعد سنوات من التباعد بين البنية الرسمية والقاعدة الشعبية. فالدولة، وفق الرؤية التي يعكسها البيان الختامي، لا تستمد شرعيتها من السيطرة الإدارية أو الأمنية، بل من قدرتها على تمثيل تطلعات الناس، وضمان حقوقهم، وتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. ومن هنا، يهدف المؤتمر إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بما يحول الدولة من كيان فوقي إلى إطار جامع يعكس الإرادة الجماعية.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يهدف المؤتمر إلى إعادة تموضع القضية الفلسطينية ضمن النظام الدولي، لا كملف تفاوضي مؤجل أو أزمة مستعصية، بل كقضية تحرر وطني تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فالدولة الفلسطينية، في هذا السياق، تطرح كأداة سياسية وقانونية قادرة على إعادة فرض القضية على جدول الأعمال الدولي، ومواجهة محاولات تهميشها أو تطبيع تجاوزها، خاصة في ظل التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية.
رابعاً: كيف تتحقق هذه النتائج على أرض الواقع؟
لا يتعامل البيان الختامي للمؤتمر مع النتائج المرجوة بوصفها مخرجات تلقائية لحسن النوايا أو لتراكم الخطابات السياسية، بل يربط تحققها بسلسلة من المسارات العملية المتداخلة، التي تستند إلى تحويل الرؤية الوطنية إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، وإلى نقل المشروع الوطني من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة اليومية. ومن هذا المنطلق، يؤكد المؤتمر أن تجسيد الدولة الفلسطينية هو عملية تراكمية تتطلب إدارة واعية للصراع، وبناء منهجي للأدوات، وتوزيع واضح للأدوار على المستويات الوطنية المختلفة.
في البعد السياسي والدبلوماسي، تتحقق هذه النتائج من خلال توظيف الاعتراف الدولي والدعم العربي والإقليمي بوصفه رافعة ضغط فعالة، لا مجرد سند معنوي. فالبيان يشدد على ضرورة الانتقال من سياسة حشد المواقف إلى سياسة استثمارها، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، والانخراط النشط في المؤسسات الأممية، وبناء تحالفات سياسية قادرة على محاصرة شرعية الاحتلال وفضح ممارساته. ويتطلب ذلك أداء دبلوماسيً منسق، يستند إلى رؤية سياسية واضحة، ويستثمر الأدوار المحورية للدول العربية الداعمة، بما يربط البعد الإقليمي بالهدف الوطني المتمثل في إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة.
وعلى المستوى الداخلي، يرى المؤتمر أن تحقيق النتائج يبدأ بإعادة بناء الجبهة الوطنية الداخلية على أسس الشراكة والوحدة. فإنهاء الانقسام لا يطرح كشعار عام، بل كشرط عملي لا غنى عنه لتوحيد القرار السياسي، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وتمكينها من العمل بكفاءة. ويتطلب ذلك إطلاق حوار وطني شامل، يستند إلى تغليب منطق التوافق على الإقصاء، وإلى إشراك القوى السياسية والمجتمع المدني والشباب في صياغة السياسات العامة، بما يحول الوحدة الوطنية من هدف معلن إلى ممارسة سياسية يومية.
وفي المسار المؤسسي، تتحقق النتائج عبر إصلاح شامل وعميق لمؤسسات السلطة الوطنية، بما يعزز كفاءتها وقدرتها على الاستجابة لتحديات المرحلة. فالبيان يربط بين الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد من جهة، وبين تعزيز الثقة الشعبية من جهة أخرى، معتبرا أن بناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة هو شرط أساسي للانتقال من واقع الحكم الذاتي المقيد إلى ممارسة وظائف الدولة. ويشمل ذلك تطوير الأطر القانونية، وتحسين الأداء الإداري، وترسيخ سيادة القانون، بما يضمن أن تكون المؤسسة الرسمية أداة خدمة وحماية للمجتمع، لا عبئا عليه.
أما في البعد المجتمعي، فيؤكد المؤتمر أن النتائج المرجوة لا يمكن أن تتحقق دون تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني باعتباره محور المشروع الوطني. ويتجسد ذلك في سياسات عملية تستهدف تثبيت المواطنين على أرضهم، خاصة في القدس والمناطق المهددة بالتهجير، وتحسين شروط الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ودمج البعد الإنساني في إطار وطني شامل. فالصمود، وفق رؤية المؤتمر، ليس مجرد حالة معنوية، بل سياسة عامة تتطلب تدخلات اقتصادية واجتماعية تحمي المجتمع من التفكك وتمنحه القدرة على الاستمرار.
وفي السياق الاقتصادي، يرى المؤتمر أن تجسيد الدولة على أرض الواقع يمر عبر بناء اقتصاد وطني قادر على الصمود، يقلل من التبعية البنيوية للاحتلال، ويوسع هامش الاستقلال الاقتصادي. ويتحقق ذلك من خلال سياسات تنموية تدعم الإنتاج المحلي، وتفعل سوق رأس المال الفلسطيني، وتشجع الاستثمار الوطني، وتوفر بيئة قانونية آمنة وشفافة. فالاقتصاد، في هذا التصور، ليس قطاعا تقنيا منفصلا، بل ركيزة سيادية تسهم في تثبيت الوجود الفلسطيني وتعزيز مقومات الدولة.
الخاتمة: المخرجات وإمكانات التطبيق
تؤكد مخرجات مؤتمر “فلسطين2026… الى اين؟ أن المشروع الوطني الفلسطيني يقف اليوم أمام لحظة حاسمة، في ظل بيئة دولية متقلبة تتراجع فيها فعالية القانون الدولي، وتتقدم فيها منطق القوة على حساب الشرعية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المؤتمر في إعادة تثبيت الدولة الفلسطينية كإطار جامع للنضال الوطني، يمنع اختزال القضية في بعدها الإنساني أو الأمني، ويعيد توجيهها بوصفها قضية تحرر وطني ذات أبعاد سياسية وقانونية ومؤسساتية متكاملة.
نجح المؤتمر في تقديم مقاربة عملية تتجاوز الخطاب التقليدي، من خلال الربط بين الثوابت الوطنية والبناء المؤسسي، وبين الاعتراف الدولي والممارسة الداخلية، وبين التحرر الوطني وبناء الدولة. فالدولة، وفق هذه الرؤية، ليست إعلان مؤجل، بل مسار تراكمي يمكن الشروع في تجسيده عبر الوحدة الوطنية، والإصلاح المؤسسي، وتعزيز صمود المجتمع، وبناء اقتصاد وطني قادر على الاستمرار.
وتكمن القيمة التنفيذية لهذه المخرجات في قدرتها على التعامل مع التحولات العالمية الجارية، عبر إعادة فرض القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الدولي من بوابة الشرعية والقانون والمؤسسات، لا من موقع رد الفعل أو الاستجابة للأزمات. كما توفر إطار سياسي وقانوني لمواجهة محاولات التصفية والتهميش، والحفاظ على وحدة الأرض والشعب والقرار.
أما إمكانية تطبيق ما ورد في المؤتمر، فتبقى رهينة بتوفر إرادة سياسية وطنية قادرة على تحويل التوصيات إلى سياسات عامة وبرامج تنفيذية، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام باعتباره العائق البنيوي الأبرز أمام أي مسار نحو الدولة. كما تتطلب إعادة بناء الثقة بين القيادة والمجتمع، وترجمة مفهوم الدولة إلى تجربة ملموسة في حياة المواطنين.
ورغم القيود التي يفرضها الاحتلال واختلال موازين القوى، تؤكد مخرجات المؤتمر أن تجسيد الدولة الفلسطينية يظل ممكنا كمسار تراكمي، يتم انتزاعه بالفعل السياسي والمؤسساتي والمجتمعي المتواصل، لا بانتظار تسوية نهائية أو ظرف دولي مثالي. وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام صناع القرار لا يكمن في صحة الرؤية، بل في القدرة على الانتقال من إعلان النوايا إلى الفعل المنظم، ومن مخرجات المؤتمرات إلى برنامج وطني جامع ومستدام.








