السياسي -متابعات
تُعيد منصة “نتفليكس” صياغة خارطة السياحة العالمية عبر إنتاجاتها الأصلية، حيث كشفت بيانات حديثة عن دور برامج الطهي في إحداث قفزة هائلة في الحجوزات السياحية المرتبطة بالمطاعم التي تظهر على الشاشة، مما دفع الدول والمنظمات الدولية إلى إعادة رسم استراتيجياتها لتتمحور حول “ثقافة الطبق” كعنصر جذب سياحي رائد.
تأثير “حروب الطهي”
سجّلت منصة “CatchTable” لحجز المطاعم زيادة مذهلة في الطلب بنسبة متوسطة بلغت 303% للمطاعم المشاركة في برنامج نتفليكس الكوري الجنوبي الشهير “Culinary Class Wars” (حروب الطهي)، وذلك خلال الأسابيع الخمسة التي تلت عرض الموسم الثاني مقارنة بالفترة التي سبقته.
ويعتمد نجاح البرنامج على فلسفة “التضاد الثقافي”، حيث يقسم الطهاة إلى فئتين: “الملاعق السوداء” (الأساتذة المخفيون للطعام الشعبي) و”الملاعق البيضاء” (نخبة الطهاة الحاصلين على نجوم ميشلان).
هذا الانقسام أثار شغف جيل الألفية والجيل “Z” لاستكشاف كلا العالمين.
استراتيجيات حكومية
أمام هذا الزخم، أعلنت وزارة الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية عن إدراج “سياحة الطعام” كركيزة أساسية في استراتيجيتها الوطنية لعام 2026.
ولم تكن كوريا وحدها في هذا المضمار؛ ففي سنغافورة، كان الطعام المحرك الرئيسي لإنفاق سياحي قياسي في عام 2025، حيث ارتفعت عوائد قطاع المأكولات والمشروبات بنسبة 15% رغم الزيادة الطفيفة في عدد الزوار الإجمالي (2.3%).
أما في اليابان، فقد أعرب 82% من السياح في عام 2024 عن رغبتهم في تجربة المطبخ الياباني كأحد الأهداف الرئيسية لرحلتهم، مقارنة بنحو 70% فقط في عام 2015، مما يؤكد أن “الطبق” أصبح الوجهة بحد ذاته.

سياحة الهروب من النمطية
يؤكد إريك وولف، المدير التنفيذي لجمعية سياحة الطعام العالمية، أن الأمر لا يتعلق بالسفر بقدر ما يتعلق بالثقافة.
وأوضح وولف أن المسافرين بعد الجائحة باتوا يميلون للمواقع الريفية والمدن الثانوية بحثاً عن تواصل حقيقي مع السكان المحليين من خلال طعامهم، مشدداً على ضرورة عدم إغفال الجذور التاريخية والزراعية للوصفات، والدور المحوري للمرأة في حماية هذا الإرث.
ولم تكن الفنادق العالمية بمعزل عن هذا التحول؛ إذ كشف تقرير اتجاهات “هيلتون” لعام 2024 أن 60% من مسافري الرفاهية يضعون جودة خيارات الطعام كأولوية عند اختيار الفندق.
وفي هذا السياق، تقول كانديس دي كروز، نائبة رئيس العلامات الفاخرة في هيلتون لآسيا والمحيط الهادئ: “لا يمكن لمطاعم الفنادق اليوم أن تكون مجرد مطاعم تابعة؛ بل يجب أن تكون وجهات مستقلة بحد ذاتها، تركز على المنتجات الموسمية والقصص الكامنة وراء كل تفصيل”.
صراع الفخامة والشارع
على الرغم من أن الحصول على “نجمة ميشلان” يُعد أرفع وسام عالمي لجودة المذاق والخدمة، إلا أن هذا الدليل المرموق بدأ يتوسع ليشمل البساطة إلى جانب الفخامة.
فبينما قد يخشى البعض من التكلفة الباهظة للمطاعم الفاخرة، يبرز نموذج “هاكر تشان” في سنغافورة، الذي نال سابقاً نجمة ميشلان لطبق أرز بالدجاج لم يتجاوز سعره 3 دولارات، مما يثبت أن الجودة العالمية لم تعد حكراً على الأماكن الغالية.
وفي إطار هذا التوجه، تنظم فنادق كبرى مثل “Amara Holdings” و”Capella” جولات ميدانية يقودها طهاة محترفون إلى الأسواق الشعبية (Hawker Centers)، لتعريف السياح بكواليس تحضير الطعام واختيار المكونات.
ويشير إريك نيو، المدير الطهي في فندق “Capella”، إلى أن الفرق الجوهري هو أن “الطعام الفاخر” يركز على رواية قصة وتفاعل فني، بينما يركز “طعام الشارع” على السرعة والمذاق الأصلي المباشر.
غير أن الشاشة الصغيرة يبدو أنها قد نجحت في تحويل “المذاق” إلى جواز سفر عالمي، مما يجعل من سياحة الطعام المحرك القادم للاقتصاد السياحي العالمي في السنوات القليلة المقبلة.






