من الكفاح المسلح إلى الكفاح الشعبي: تحولات البنية الفلسفية لحركة فتح بعد غياب المؤسس

بقلم: د. صالح الشقباوي

لم يكن استشهاد القائد المؤسس ياسر عرفات حدثاً عابراً في التاريخ السياسي الفلسطيني، بل شكّل لحظة أنطولوجية فاصلة أعادت تشكيل بنية حركة فتح، ليس فقط على مستوى القيادة، بل على مستوى الفلسفة النضالية التي حكمت مسارها منذ انطلاقتها. لقد مثّل عرفات تجسيداً حيّاً لفكرة الثورة بوصفها فعلاً وجودياً، حيث كان الكفاح المسلح ليس مجرد أداة، بل تعبيراً عن كينونة فلسطينية تقاوم العدم وتسعى إلى إثبات حضورها في الزمان والمكان.
أولاً: الثورة كفعل وجودي
في زمن عرفات، كانت فتح حركة تحرر وطني تؤسس لوجودها عبر الفعل المسلح، حيث تماهى الكفاح مع الهوية، وأصبح السلاح لغة الوجود الفلسطيني في مواجهة النفي. لقد كان المشروع الفتحاوي آنذاك يقوم على جدلية “الوجود مقابل العدم”، حيث يُعاد إنتاج الذات الفلسطينية عبر المقاومة، لا بوصفها خياراً، بل ضرورة وجودية.
ثانياً: التحول إلى منطق الدولة
بعد غياب عرفات، دخلت فتح مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من الثورة إلى الدولة، ومن الفعل الوجودي إلى الفعل السياسي. في ظل قيادة محمود عباس، أعادت الحركة تعريف أدواتها، فتم استبدال الكفاح المسلح بالكفاح الشعبي والدبلوماسي، في محاولة لإعادة تموضع القضية الفلسطينية ضمن النظام الدولي.
هذا التحول يعكس انتقالاً من “فلسفة الاشتباك” إلى “فلسفة التفاوض”، ومن “إرادة التحرير” إلى “إدارة الممكن السياسي”، حيث لم تعد الغاية هي الفعل الثوري بحد ذاته، بل تحقيق الدولة عبر أدوات معترف بها دولياً.
ثالثاً: الكفاح الشعبي كبديل فلسفي
لم يكن التخلي عن الكفاح المسلح مجرد قرار سياسي، بل كان تحوّلاً في البنية الفكرية للحركة. فالكفاح الشعبي، بما يحمله من أدوات سلمية (مظاهرات، مقاومة مدنية، اشتباك قانوني)، يعكس انتقالاً من العنف الثوري إلى “أخلاق المقاومة”، حيث يصبح الفعل النضالي مرتبطاً بشرعية دولية وإنسانية.
لكن هذا التحول يطرح إشكالية فلسفية عميقة:
هل يمكن لثورة أن تحافظ على جوهرها إذا تخلّت عن أدواتها الأصلية؟
أم أن جوهر الثورة يكمن في غايتها لا في وسيلتها؟
رابعاً: جدلية الثورة والسلطة
إن دخول السلطة الوطنية الفلسطينية كإطار حاكم أعاد تشكيل فتح من حركة تحرر إلى بنية سلطوية، تخضع لقوانين الإدارة والبيروقراطية. وهنا تظهر مفارقة فلسفية:
الثورة تسعى إلى كسر النظام، بينما السلطة تسعى إلى الحفاظ عليه.
وبين هذين القطبين، تعيش فتح حالة “الازدواج الوجودي”، فهي لم تعد حركة ثورية خالصة، ولا دولة مكتملة السيادة، بل كياناً معلقاً بين الحلم والواقع.
خامساً: من الهوية الثورية إلى الهوية السياسية
لقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف الهوية الفتحاوية، حيث تراجعت الرمزية الثورية لصالح البراغماتية السياسية. وأصبح الانتماء إلى فتح لا يقوم فقط على الالتزام بالكفاح، بل على المشاركة في بناء مؤسسات الدولة.
لكن هذا التحول يثير سؤالاً مركزياً:
هل فقدت فتح روحها الثورية، أم أنها أعادت إنتاج نفسها في شكل جديد يتلاءم مع شروط العصر؟
خاتمة: فتح بين فلسفتين
إن التحول من الكفاح المسلح إلى الكفاح الشعبي ليس مجرد انتقال في الأدوات، بل هو انتقال في الفلسفة، من “فلسفة الوجود المقاوم” إلى “فلسفة الوجود الممكن”. وبين هاتين الفلسفتين، تتحدد ملامح المستقبل الفتحاوي.
لقد كانت فتح في زمن عرفات ثورة تبحث عن وطن، وهي اليوم، في زمن ما بعده، وطن يبحث عن شكل نهائي لثورته.
وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تستطيع فتح أن توفق بين إرثها الثوري ومتطلبات الدولة؟
أم أن أحدهما سيلغي الآخر في صيرورة التاريخ؟
هذا السؤال لا يخص فتح وحدها، بل يخص كل حركات التحرر حين تتحول من الحلم إلى الواقع، ومن الثورة إلى الدولة.