منذ بروز فكرة القومية العربية في مطلع القرن العشرين، غلب على العديد من نخبها المفكرة والقائدة الفكرُ الليبرالي. وعلى الرغم من تفاقم حدّة التنافر والتناقض الكبيرين بين العرب والأتراك بعد عمليات الإعدام الجماعية عام 1915م التي جرت في السنوات الأخيرة من العهد العثماني في بلاد الشام، حيث اشتدّ قمع السلطات التركية للشعب العربي، فقد قام جمال باشا السفّاح بمحاكمة نخبة من العرب المثقفين المناضلين الداعين إلى الإصلاح أمام ديوان الحرب العرفي في منطقة عاليه في لبنان. وقد حكم عليهم بالإعدام وعلّقهم على أعواد المشانق في بيروت صباح يوم 21 آب عام 1915م.
وعلى الرغم من عملية الإعدام الإجرامية بحق أحد عشر مناضلاً من الشهداء، فإن الهدف من ذلك كان واضحاً، وهو التخلّص من القوميين العرب الذين كانوا يطالبون بحق العرب في الحرية والاستقلال. وقد شكّلت هذه الإعدامات مقدمةً لإعدام أوسع شمل واحداً وعشرين رجلاً في السادس من أيار عام 1916م.
ومع ذلك، لم تعكس الدعوة القومية العربية الناشئة مشاعر عنصرية مضادة للأتراك الذين احتلوا الوطن العربي نحو أربعمائة عام، ذاق خلالها الشعب العربي أشد الويلات والمصائب والآلام نتيجة اتباع سياسة التتريك والتجهيل والإفقار، فضلاً عن تمزيق البنية الداخلية للمجتمع العربي وإثارة التفرقة والفتن وتفتيت المجتمعات العربية.
لقد عُرفت الثقافة العربية، منذ بداية تبلورها، بانعدام النزعات العنصرية والشعبوية، وبقدر كبير من الانفتاح على الآخر. وخلال النصف الأول من القرن العشرين توالت النضالات في العديد من الأقطار العربية ضد القوى الاستعمارية البريطانية والإيطالية والفرنسية، فيما اتسعت على نحوٍ طردي الفجوة بين قوى الإقطاع والولاة وأعيان المدن الموالين للقوى الاستعمارية من جهة، وبين الطلائع المناضلة المكافحة في سبيل التحرر والاستقلال ونيل الحريات الليبرالية من جهة أخرى.
وفي تلك المرحلة برزت في العديد من بلدان الوطن العربي، مثل العراق وسورية وفلسطين ولبنان والأردن، أحزابٌ وحركات سياسية واجتماعية التزمت بالفكر القومي العربي، وجمعت إلى جانب نضالها ضد القوى الاستعمارية وأدواتها المحلية من العملاء، بمختلف تصنيفاتهم واهتماماتهم، رفضَ المشروع الصهيوني على أرض فلسطين. ولم تنخرط تلك الأحزاب وتلك القوى في تشكيل ميليشيات فاشية كما فعلت بعض الأحزاب والحركات السياسية في العديد من دول العالم التي قلدت التنظيمات النازية الألمانية والفاشية الإيطالية.
لقد اتسمت الثورات العربية والأحزاب والحركات الوطنية بتبنيها للفكر الليبرالي، غير أنّ تجربةً قصيرةً مع قادة تلك الأحزاب كشفت عن تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية، بعد أن كان حلمها إقامة حياة ديمقراطية سليمة ومتكاملة. ولم تلبث تلك الأحزاب وتلك القوى أن تجاوزت الليبرالية فكراً وممارسةً، لتتبنّى مفهوم الديمقراطية الاجتماعية بوصفه إطاراً سياسياً يسعى إلى التوفيق بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
ويبقى التساؤل المهم الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تسعى الدول العربية إلى السير وفق هذا المنهج فعلاً، أم أنها تعيشه واقعاً على أرضها؟
أم أنها اتخذت لنفسها مذهباً دينياً سياسياً؟
وما هو مذهبها السياسي الحقيقي؟
أم أن بعض هذه الدول ما يزال يعيش حالةً من الهلامية المنهجية في تحديد خياراته الفكرية والسياسية؟








